بنكيران ظاهرة سياسية، وآلة تواصلية، وقوة خطابية، وزعامة فرضت نفسها اليوم.. هذه حقائق لا يختلف حولها خصوم بنكيران كما أصدقاؤه.. هو رجل مثير للجدل طبع مرحلة سياسية بأكملها، بما له وما عليه. هو رئيس أول حكومة بعد الدستور الجديد والربيع الجديد والوعود الجديدة بالإصلاح والتغيير… عندما يفرح يطلق نكتا وضحكات لا تخلو من رسائل سياسية. عندما يغضب يخرج أسلحته الثقيلة في وجه خصومه، ويبدأ في إطلاق النار، يتحدث بأكثر من لغة إلا لغة الخشب.. سيرة بنكيران صارت اليوم على كل لسان، فهناك من يحبه وهناك من يكرهه، وهناك من يقف في الوسط بين الحب والكره، يتفق معه ويختلف حسب الظروف والأحوال، لكن الجميع يتابع خطبه، قراراته، معاركه، خرجاته، وحتى صمته صار يؤول اليوم في الساحة السياسية، وتعطى له مبررات ودلالات… للاقتراب أكثر من بنكيران الإنسان، نخصص هذه السلسلة الرمضانية للحديث مع الرجل الثاني في الدولة على لسانه، وبالرجوع إلى ذاكرته هو دون وساطة أو توسط.. بعيدا عن السياسة، قريبا من بنكيران المواطن، والغرض أن نفهم زعيم العدالة والتنمية أكثر، أن نعيد قراءة سيرته، ومراحل تشكل وعيه، وتضاريس الواقع الذي أحاط به. إنها سلسلة للاقتراب أكثر من هذا الذي صار سيرة على كل لسان.. لنتابع…
في الوقت الذي حال صغر سنّ عبد الإله بنكيران دون احتكاكه بالتفاعلات السياسية الساخنة التي شهدتها الرباط، ومعها المغرب بكامله في عقد الستينات، وخاصة في سنواته الأولى، فإن شقا دوليا من هذه التفاعلات بقيت بعض تفاصيله عالقة بذاكرته إلى اليوم. أبرز هذه الأحداث السياسية التي يذكرها رئيس الحكومة جيّدا من سنوات طفولته الأولى، ما يتعلّق بالصراع السياسي والإعلامي القوي بين مملكة الحسن الثاني وخصومه الجمهوريين «التقدميين» الحاكمين في دول عربية مجاورة، خاصة منها الجارة الشرقية الجزائر.
«أذكر مذيعا كان يدعى كوتا في ما أذكر، كان يقدّم برنامجا إذاعيا في بداية الستينات بشكل يومي بعد الزوال، ويخصّصه لمهاجمة الجزائريين والمصريين». ويذكر بنكيران بشكل أدقّ توقيت بثّ البرنامج، وذلك بعيد الزوال، حيث كان يضطر إلى الهرولة بين المدرسة التي يغادرها حوالي الساعة الواحدة، وبيته كي يستمع إلى البرنامج الدعائي الموجه ضد خصوم المغرب. «كان توقيت الدراسة حينها ينقسم إلى فوجين وأربع حصص زمنية، الفوج الأول كان يدرس ما بين السابعة والعاشرة صباحا، ثم فوج آخر من العاشرة إلى الواحدة، ثم يعود الفوج الأول ليدرس من الواحدة إلى الرابعة، ثم يعود الفوج الثاني لحصته اليومية الثانية من الرابعة إلى السادسة مساء، وأذكر أنني كنت في الفوج الذي يدرس ما بين العاشرة والواحدة بعد الظهر، حيث نتوجه إلى بيوتنا زوالا ثم نعود إلى المدرسة في الرابعة، وأذكر أنني كنت أحرص على الخروج والذهاب بسرعة إلى البيت لكي أستمع إلى ذلك البرنامج».
كانت إحدى أكثر الشخصيات استهدافا من طرف برامج الدعاية الإعلامية السياسية للمغرب، الرئيس الجزائري الراحل أحمد بنبلة. هذا الأخير الذي كان أول رئيس للجزائر المستقلة تصدّر، في تلك الفترة، لائحة أعداء المغرب، خاصة بعد دخوله في حرب الرمال ضد جيش الحسن الثاني. «في وقت لاحق سوف أتعرّف على السي أحمد بنبلة وأصبح صديقا لي، وأذكر أنني التقيته في مصر مرة أو مرتين، وعندما حلّ بالمغرب في إحدى زياراته تعرّفت عليه جيّدا، حيث كان من بين القوميين العرب، وبقي يعتبر كذلك، وظل زعيما في أعينهم إلى النهاية، وأنا من مثّل المغرب في جنازته، رغم أنها انتهت بطريقة محرجة بالنسبة إلينا، واضطررنا إلى الانسحاب منها بعد اكتشاف حضور وفد رسمي ممثل لجبهة البوليساريو…»، يقول بنكيران.