مراجعات لا تراجعات (الحلقة 16)

09/07/2015 - 22:29
مراجعات لا تراجعات (الحلقة 16)

 

فاس مرة أخرى…. لكن في ظروف أخرى

كانت تلك السنوات الأخيرة من عقد التسعينات بداية التقاطع بيني وبين التيارات الجهادية ، بالتفافهم حولي في دروس لا تتجاوز الفقهيات والعقديات من خلال الكتب السلفية المعروفة ، وبتعرفي على أدبيات الجهاديين والتهامها ، وما تركته من أثر في تصوري ، لا يصل لدرجة الانقلاب أو التحول، لكنني لم أكن متحمسا لتلك المعارك التي كان يفضل الطرفان خوضها حول موضوع الأسماء والأحكام والحاكمية، ولهذا كان حضوري للمناظرة التي جمعت الشيخين الفزازي بعرعور مجاملة واستجابة فقط لطلب بعض المحيطين بي من الجهاديين، وظللت طيلة الوقت صامتا إلا فيما ندر، وعدت ممتعضا من حالة التباهي والتفاخر بالأتباع عند الطرفين معا وكأنها مباراة كرة قدم أو صراع على حلبة من حلبات الملاكمة.
هو السبب نفسه الذي جعلني أمتنع عن حضور المناظرة المشهورة التي كانت بين مشايخ الطرفين بالبيضاء، وحضرها الفزازي والحدوشي والشاذلي عن الجهاديين، وبيهي وأبو النعيم وجنان عن التقليديين، رغم دعوتي لحضورها، بسبب تضايقي من تلك الأجواء المشحونة التي كانت تطبع مثل هذه اللقاءات.
لكن كثرة ما قرأت من أدبيات الجهاديين في تلك الفترة جعلني أتحول عن كثير من أفكاري التقليدية نحو الجهادية منها ، معترضا في الوقت ذاته على ما يطبع هذه الكتابات من جرعات زائدة من التكفير، خاصة ما كتبه أبو قتادة في إباحة قتل نساء وأطفال العسكريين بالجزائر، وفي تكفير خطباء الجمعة الداعين مع الحكام بالنصر، وما كتبه سيد إمام في تكفير الشرطة والجنود وكل أعوان النظام، وما كتبه المقدسي في تكفير كل منخرط في السياسة مشتغل بها.
بهذا الفكر المخلوط بين الجهادي منه والتقليدي، ومع بداية الألفية الجديدة ، كان انتقالي من مدينة الدار البيضاء إلى فاس، فبعد سنتين وزيادة بكلية الآداب فاس سايس، طالبا ضمن مسلك الماستر ، شعبة فقه الأموال بالمذهب المالكي، استدعاني بعض معارفي لإلقاء كلمة بإحدى دور القرآن بمدينة فاس، بحي النرجس تحديدا، فنالت الكلمة استحسان الحضور، وكانت عن العلماء وضرورة حفظ مكانتهم ومعرفة سابقتهم ، مع الاعتذار لزلاتهم وحملها أحسن المحامل، وكنت أقصد بذلك شيوخ السلفية الكبار ، وذكرت منهم بالاسم الشيخ الألباني، مقارنا بينه وبين ابن حزم ، في تحمل ما كنت أراه في ذلك الوقت انحرافا عقديا عند ابن حزم ، ومع ذلك يسلم الكل لإمامته وفضله.
انتشرت أصداء المحاضرة في كل أنحاء المنطقة، ولم يتجاوز الأمر يوما واحدا، حتى طلب مني أهل الحي نقل أولادي لمدينة فاس، والإشراف على نفس الدار التي ألقيت بها المحاضرة، وتوسيع اهتماماتها، بعد أن كانت مخصصة لتحفيظ القرآن الكريم.
جمعت حقائبي ووليت الوجهة نحو فاس من جديد، واستقررت ببيت يعلو المركز الذي سأشرف عليه، وبدأت في تسطير البرنامج الجديد للدار، ركزت فيه على الدروس العامة، والتي قسمتها بين الدروس العقدية والفقهية، شارحا في القسمين معا رسالة ابن أبي زيد القيرواني ، أحد أشهر متون المالكية وأنفعها، وقد كان اختياري للمتن المالكي مقصودا، لتكسير ما دأب عليه السلفيون من احتقار الفقه المذهبي والدعوة لنبذه،وقصدت أن يكون مالكيا إشارة إلى عدم الخروج عما اختاره المغاربة مذهبا، وإن كانت الطريقة التي اعتمدتها في شرح المتن سلفية محضة، أحاول الاستدلال لكل عبارة فيه، فما رأيته مخالفا للدليل أو معارضا للراجح عندي بينته وذكرته، وما رأيت أنه على غير دليل تركته وحذرت منه.
كانت هذه الدروس لعموم الناس، وازتها دروس مخصصة لطلبة العلم ، من طلاب الجامعة وغيرهم من المؤهلين لأخذ دروس متخصصة في العلوم الشرعية، كانت هذه الدروس الخاصة تستغرق صباح الأحد، وكانت مواضيعها علمية محضة، قسمتها لحصتين، واحدة لأصول الفقه وأخرى لمصطلح الحديث، ولقيت إقبالا من الطلبة، وكانت دروسا منهجية بفروض واختبارات.
كانت هذه بداية قصة مرحلة أخرى من مراحل حياتي ، حيث بدأت هذه الدروس تلقى إقبالا من الناس، وبدأت أتلقى الدعوات لحضور العقائق والولائم ، وهي التي كانت تشكل أحد قلاع الدعوة عند التيار السلفي، وكانت قناة ترسل عبرها الرسائل، بدعوى التضييق على أهل هذا الفكر ومنعهم من المساجد والمنتديات العامة، لكنني لم أكن في بداية أمري أعي أني قادم على مجتمع مختلف، وأن احتكاكي سيكون بمحيط معقد له مسلماته الخاصة ، وأنني لن أستطيع أن أجد لي مكانا أو تسمع لي كلمة فيما إذا حاولت انتهاك هذه المسلمات.

في الحلقة القادمة: كيف استقبلني التيار الجهادي بفاس؟ وكيف حاولت التخفيف من موجة التكفير ؟.

شارك المقال