بنكيران ظاهرة سياسية، وآلة تواصلية، وقوة خطابية، وزعامة فرضت نفسها اليوم.. هذه حقائق لا يختلف حولها خصوم بنكيران كما أصدقاؤه.. هو رجل مثير للجدل طبع مرحلة سياسية بأكملها، بما له وما عليه. هو رئيس أول حكومة بعد الدستور الجديد والربيع الجديد والوعود الجديدة بالإصلاح والتغيير… عندما يفرح يطلق نكتا وضحكات لا تخلو من رسائل سياسية. عندما يغضب يخرج أسلحته الثقيلة في وجه خصومه، ويبدأ في إطلاق النار، يتحدث بأكثر من لغة إلا لغة الخشب.. سيرة بنكيران صارت اليوم على كل لسان، فهناك من يحبه وهناك من يكرهه، وهناك من يقف في الوسط بين الحب والكره، يتفق معه ويختلف حسب الظروف والأحوال، لكن الجميع يتابع خطبه، قراراته، معاركه، خرجاته، وحتى صمته صار يؤول اليوم في الساحة السياسية، وتعطى له مبررات ودلالات… للاقتراب أكثر من بنكيران الإنسان، نخصص هذه السلسلة الرمضانية للحديث مع الرجل الثاني في الدولة على لسانه، وبالرجوع إلى ذاكرته هو دون وساطة أو توسط.. بعيدا عن السياسة، قريبا من بنكيران المواطن، والغرض أن نفهم زعيم العدالة والتنمية أكثر، أن نعيد قراءة سيرته، ومراحل تشكل وعيه، وتضاريس الواقع الذي أحاط به. إنها سلسلة للاقتراب أكثر من هذا الذي صار سيرة على كل لسان.. لنتابع…
علاقة توجّس وريبة استثنائية كانت تربط رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران ببعض الزعماء العرب الذين هيمنوا على بلدانهم لعقود طويلة. القاسم الذي يكاد يوحّد هؤلاء الزعماء هو كونهم أقاموا أنظمة سياسية علمانية ومعادية للحركات الإسلامية، بالإضافة إلى كونها أنظمة جمهورية مناوئة لنظم الحكم الوراثية مثل الملكيات العربية. «كان عندي ثلاثة أو أربعة رؤساء دول، قرّرت شخصيا ألا أزورهم أبدا لأنني لم أكن أثق بهم، وكنت أعتقد أنهم يمكن أن يقتلوني إذا ذهبت عندهم، وهم كل من الرئيس التونسي السابق زين العابدين بنعلي، والزعيم الليبي معمر القذافي، والرئيس السوري حافظ الأسد، والرئيس العراقي صدام حسين. هم أربعة كنت لا أشعر بالثقة فيهم مطلقا، وكنت أتجنّب دولهم ما استطعت، حتى في الرحلات الجوية التي تتوقف في مطاراتهم لبضع دقائق ثم تواصل رحلتها نحو الوجهة التي أقصدها».
على رأس هؤلاء الرؤساء الذين كان بنكيران يخشى الوقوع بين أيديهم، يوجد الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بنعلي، الذي شاءت الأقدار أن يطيح به الربيع العربي في الوقت الذي أوصل بنكيران وإخوانه إلى الحكم بالمغرب. «تونس كانت بيني وبينهم مشاكل دائمة بسبب ما نكتبه في صحفنا، وكنت حين أركب طائرة تتوقّف في مطارهم أثناء توجّهي إلى الشرق، أول ما أقوم به هو أنني كنت أصلي، وأقول لنفسي إذا ما صعدوا إلى الطائرة لإنزالي فعلى الأقل سأكون قد صلّيت، وأذكر أنني حين كنت أدير صحيفتي الإصلاح والراية تلقّيت تنبيهات إلى وجود شكاوى كثيرة من جانب تونس، وأن استمرارها قد يؤدي بالسلطات المغربية إلى إيقاف صحفنا، وأذكر أن من قام بإبلاغي بهذه التنبيهات هو السيد حفيظ بنهاشم، الذي كان حينها في مديرية الشؤون العامة بوزارة الداخلية، أي أن الضغوط التونسية كانت قوية وانزعاجهم مني كان كبيرا».
النظامان البعثيان في كل من سوريا والعراق، كانا بدورهما يثيران قدرا غير هيّن من الخوف والتوجس في قلب بنكيران، لباعهما الطويل في البطش بالمعارضين والمخالفين. «والعراق أيضا كتبنا عنهم حين وقع ما وقع بين نظام صدام والأكراد، حيث بعثت إلي السفارة العراقية دعوة لزيارة السفارة، وأنا تخوّفت منهم لأنني كنت قد نشرت عنهم ما لا يعجبهم، وكنت أعرف أنهم لا يبالون وقد يقدمون على أي شيء، وهم إلى جانب نظام حافظ الأسد لم أكن أثق فيهم نهائيا، ثم هناك بطبيعة الحال القذافي»، يقول بنكيران.