بنكيران ظاهرة سياسية، وآلة تواصلية، وقوة خطابية، وزعامة فرضت نفسها اليوم.. هذه حقائق لا يختلف حولها خصوم بنكيران كما أصدقاؤه.. هو رجل مثير للجدل طبع مرحلة سياسية بأكملها، بما له وما عليه. هو رئيس أول حكومة بعد الدستور الجديد والربيع الجديد والوعود الجديدة بالإصلاح والتغيير… عندما يفرح يطلق نكتا وضحكات لا تخلو من رسائل سياسية. عندما يغضب يخرج أسلحته الثقيلة في وجه خصومه، ويبدأ في إطلاق النار، يتحدث بأكثر من لغة إلا لغة الخشب.. سيرة بنكيران صارت اليوم على كل لسان، فهناك من يحبه وهناك من يكرهه، وهناك من يقف في الوسط بين الحب والكره، يتفق معه ويختلف حسب الظروف والأحوال، لكن الجميع يتابع خطبه، قراراته، معاركه، خرجاته، وحتى صمته صار يؤول اليوم في الساحة السياسية، وتعطى له مبررات ودلالات… للاقتراب أكثر من بنكيران الإنسان، نخصص هذه السلسلة الرمضانية للحديث مع الرجل الثاني في الدولة على لسانه، وبالرجوع إلى ذاكرته هو دون وساطة أو توسط.. بعيدا عن السياسة، قريبا من بنكيران المواطن، والغرض أن نفهم زعيم العدالة والتنمية أكثر، أن نعيد قراءة سيرته، ومراحل تشكل وعيه، وتضاريس الواقع الذي أحاط به. إنها سلسلة للاقتراب أكثر من هذا الذي صار سيرة على كل لسان.. لنتابع…
رغم تقاسم الزعيم الليبي معمر القذافي خصائص التوجس والريبة التي كان يثيرها في قلب عبد الإله بنكيران مع عدد من الرؤساء العرب، فإنه كان صاحب قصة خاصة. «في أحد الأيام كان المرحوم الدكتور عبد الكريم الخطيب سيقوم بزيارة لليبيا للقاء القذافي، وكان قد دخل معي في نوع من المشاكسة، وفي ذلك السياق طلب مني أن أرافقه. ومع العلم أنني لا أرغب نهائيا في القيام بمثل هذه الزيارة، فإن رفضي طلب الدكتور الخطيب كان يعني أن يقول لي نتا خوّاف، وإذا قبلت مشكلة، فلم أجد حلا إلا أن أقبل الدعوة وأرافقه، فتوكلنا على الله وذهبنا».
يتذكّر بنكيران كيف أنه كان شديد الخوف يومها، «ومما زاد من ذلك أن طائرتنا توقّفت في مطار جربة بتونس التي كنت أخاف زيارتها، ثم واصلنا السفر نحو ليبيا في الحافلات، وبمجرد وصولنا إلى الحدود التونسية الليبية كانت الروح ديالي غاتخرج، ثم واصلنا السير للقاء القذافي، وأذكر أنني قضيت يومين طويلين من التوجّس بسبب مخاوفي مما يمكن أن يقع لي هناك». عندما وصل الوفد المغربي إلى ليبيا، «أخذونا للقاء القذافي، وبينما نحن في انتظاره، ارتأيت أن أتوضأ وأصلي، فأخذوني إلى مكان معيّن كي أتوضأ، فإذا بي أصادف معمّر القذافي قادما، وأذكر أنه كان يستعين بعصا في مشيه لأنه كان مصابا في إحدى قدميه، وحين اقترب مني نظر إلي نظرته المعروفة، فقلت صافي هاهو غادي يصدر شي أمر، خاصة أنني كنت قد واجهت معه مشكلة في لقاء سابق في السودان».
تتمثل قصة السودان في أن بنكيران شارك في ندوة احتضنها هذا البلد الإفريقي ضمن وفد مغربي يضم أشخاصا آخرين مثل الأستاذ عبد الله ساعف، «فطلبوا مني أن ألقي كلمة المغرب في ذلك اللقاء، فكان من بين ما تحدّثت عنه علاقتي بالقذافي وتوجسي منه، حيث قلت لهم: ‘‘نعم صحيح أنا لدي مشكل مع القذافي’’، وبعد إنهائي الكلمة جاء عندي الليبيون الحاضرون وقالوا لي: ‘‘ما مشكلتك مع القذافي؟’’، الحقيقة أن مشكلتي الوحيدة معه هي أنه يبدو لي متكبّرا، ويكفي أن أنظر إلى طريقته في النظر إلى الآخرين لأشعر بأنه شخص متكبّر، وهو ما لم يكن ممكنا أن أقوله لهم، المهم ما لقيت ما نقوليهم بقيت غير كاندخل ونخرج فالهضرة».
زيارته العسيرة لليبيا رفقة الدكتور الخطيب، يصفها بـ«الذهاب حتى لفم السبع، وأذكر أن لقاءنا به دام حوالي ساعتين، تحدّث فيها كعادته، فبقي يحدثنا بكلام غريب لا أحد يعرف أساسه، لكنه في الوقت نفسه كلام غير ممل، حيث يبقيك في حالة انتظار لما يريد أن يقوله، وفالأخير ما قفّلنا والو، لكنه لم يفوّت الفرصة لكي يقوم بالتعريض بالأنظمة الوراثية وغيره مما هو معروف عنه، فأنهينا لقاءنا به وعدنا إلى الفندق حيث بقينا ذلك اليوم بدون غداء، وفي صباح اليوم الموالي غادرنا، فلم أشعر بنفسي في أمان إلا بعدما حلّقت الطائرة مغادرة تونس، عندها فقط رجعات الروح».