انطلاق المسار الدعوي بفاس وسط أجواء التكفير
كان اشتغالي بمدينة فاس على محورين أو ذي شقين، محور عام ومحور خاص، أما المحور العام فكان عبر الدروس العامة، والتي كنت ألقيها بمختلف دور القرآن ، كان برنامجي حافلا من الخميس إلى الأحد، يبدأ بدرس عصر الخميس بمسجد أبي بكر بالدكارات مخصص للنساء، ودرس ليلي بحي النرجس، ثم عصر الجمعة بعين النقبي، وبين العشاءين بدار القرآن بسيدي بوجيدة، حيث كان الدرس مشهودا ويحضره الجم الغفير، ويوم السبت بحب النرجس مرة أخرى، والختام يوم الأحد بمسجد أبي بكر الصديق مرة أخرى.
كانت دروسا عقدية وفقهية وحديثية، قبل أن ألحق بها درسا في الآداب والسلوك لما رأيته من خصاص في الباب ، كانت في غالبها شروحا لرسالة الإمام ابن أبي زيد إلا في مسجد أبي بكر الصديق، فقد عارض الشيخ الفزازي الأب وهو المشرف على الدار أن يكون المتن المشروح مذهبيا، فاخترت صحيح البخاري، ولم تكن تتخلل هذه الدروس إسقاطات ولا أجوبة عن الواقع إلا نادرا، وحتى لو وقع ذلك فقد كنت حريصا على أن تكون الأجوبة عامة وفضفاضة ، مراعية للثقافة الرائجة غير خارجة عنها.
كانت الدروس تجد ترحيبا كبيرا من مرتادي دور القرآن، من التيار الجهادي وغيره، فقد كانت جامعة بين التفصيل العلمي والتبسيط في الطرح ، وكنت في الشق العقدي أهدف إلى جانب تقرير العقيدة السلفية إلى مناقشة قضايا التكفير وطرحها، ذلك أن من أكبر ما عانيته بعد وصولي للمدينة انتشار لوثة التكفير بها بشكل لم أتوقعه ولا ظننته، وكنت رغم أني أصبحت محسوبا على الجهاديين قريبا منهم، شديد النفور من هذا المسلك ، مجتهدا في محاربته ودفعه.
كانت فاس ولسنوات طويلة ولأسباب مختلفة قبلة الجماعات التكفيرية، وكان قرب المدينة من المناطق الشمالية خاصة الناضور والحسيمة يجعلها قبلة لمختلف الأفكار التكفيرية، وقد كان للخضير الورياشي أحد زعماء التكفير بالناضور دور كبير في التحاق كثير من أبناء فاس بهذا المنهج، خاصة في الأحياء التي تعاني من مشاكل اجتماعية واقتصادية عميقة، كبنسودة والمسيرة ولابيطا وعوينات الحجاج،وكان لتلميذه عبد العالي القادم من الحسيمة دور كبير أيضا في انتشار هذا المسلك وهجران كثير من الشباب للمساجد بدعوى أنها مساجد ضرار، وتركهم الأكل من ذبائح الجزارين بدعوى أنها ميتة ذبحها مشرك لا تحل ذبيحته، وكانوا لا يتورعون عن تكفير آبائهم وأمهاتهم، ولا عن تكفير المجتمع قاطبة إلا ما كان من جماعتهم، قبل أن ينشق بعضهم عن بعض ويكفر بعضهم بعضا.
انتشر هذا المنهج بفاس أواسط التسعينات انتشار النار في الهشيم، وأصبحت كل جماعة لا يتجاوز عدد أفرادها الأصابع يؤدون صلاة الجمعة في بيت أحدهم ، يصعد الخطيب على الفراش والمأمومون أمامه على الأرض، بل وصل تكفير بعضهم لبعض أن كان منهم من يرى كفر كل من على الأرض سواه، وكان يسمي نفسه : فلان الأمة، تمثلا بقول الله تعالى: إن إبراهيم كان أمة ، بلغ الاستهتار بالباب مبلغا وصل ببعضهم إلى الاغتسال في المجلس الواحد أكثر من مرة، بدعوى أنه خرج من الإسلام وعاد إليه، بل منهم من كان يحمل في جيب قميصه بطاقتين صفراء وحمراء ، فلو صدر منك ما قد يشكك في إسلامك رفع في وجهك البطاقة الصفراء، فإن تماديت في جدالك له ومحاججته أخرج الحمراء إعلانا منه بطردك من حضيرة الإسلام.
إلا أن أواخر التسعينات عرفت بداية ترجع التيار بالمدينة، وانحسار تواجده في بعض المناطق المحيطة كالزليليغ وتاوجطات وغيرهما، ومن عجيب القدر أن يكون الفضل في ذلك للتيار الجهادي، فمع دخول بعض الكتب التي تبناها الجهاديون وإن لم يعرف لأصحابها انتماء جهادي، ككتاب (ضوابط التكفير) لعبد الله القرني، و(الولاء والبراء) لمحمد بن سعيد القحطاني، ومع دخول كتب التيار الجهادي خاصة كتب أبي قتادة وأبي بصير، والتي على ما فيها من نفس تكفيري واضح فإنها هاجمت التيارات التي تكفر المجتمعات، ودحضت كثيرا من حججها ومستنداتها.
وهكذا تحول كثير من أتباع تلك الجماعات نحو التيار الجهادي، مما يفسر استمرار هذا النفس ودوام وجودة في البنية الفكرية لأبناء التيار حتى بعد التحول، فهو انتقال إلى مرحلة أخف من سابقتها، لكنها لا تزال تحمل معها كثيرا من مخلفات المنهج السابق ، فلا زالت المرجعية موحدة بين الطرفين، وأهم ما ترتكز عليه هذه المرجعية كتب الدعوة النجدية وخاصة (مجموع الدرر السنية في فتاوى أئمة الدعوة النجدية) الذي كان بمثابة الوثيقة الدستورية في باب الأسماء والأحكام عند الطرفين.
لهذا كان أبناء التيار الجهادي بفاس يخوضون في مسائل لم أرها عند غيرهم بتلك الحدة، كحكم ما يسمونهم أعوان الطواغيت، والقصد العساكر والجنود والشرطة وكل الوظائف العسكرية، وقد كان الخلاف شديدا بين أبناء التيار بالمدينة حول تكفيرهم من عدمه، كما كان الخلاف بينهم متقدا حول حكم من ذبح ذبيحة لله في موضع يذبح فيه لغير الله ، في مسألة كانت تعرف عندهم بقضية بوانة، فكل هذه المسائل وغيرها طغت بثقلها على مناقشات الجهاديين، بسبب مخلفات المنهج السابق، بل يمكن القول أنه لم تتغير الذهنية والعقلية التكفيرية كثيرا سوى في الصلاة في المساجد مع كثرة ما يشترطون في صحة ذلك، وأكل الذبائح التي لا يعرف ذابحها، وترك تكفير المجتمع جملة مع تكفير كثير من الأعيان لأسباب مختلفة ومتعددة.
في الحلقة القادمة: كيف كان تحركي مع الشباب؟ وكيف واجهنا موجات التكفير؟