ابو حفص يكتب :مراجعات لا تراجعات (الحلقة 19)

13/07/2015 - 01:32
ابو حفص يكتب :مراجعات لا تراجعات (الحلقة 19)

 

بين الشيب والشباب

رغم أن أبناء التيار الجهادي بمدينة فاس هجروا جماعات الهجرة والتكفير، إلا أن لوثة التكفير ظلت ملازمة لأغلبهم، فهم وإن لم يكفروا المجتمع جملة لكنهم كانوا أسرع الناس إلى تكفير المعين حتي ما بقي في هذه المجتمع إلا فئة قليلة يرونها لا زالت على الإسلام، فهم يكفرون الحاكم لأنه لا يحكم بما أنزل الله، وتبعا يكفرون كل ذوى المناصب الكبرى في الدولة، وكل منتسب لسلك غير مدني من جند وشرطة ودرك وحراس سجون وغيرهم، فهؤلاء أعوان الطواغيت وحكمه حكمهم، ويكفرون القضاة لأنهم يحكمون بالقوانين الوضعية المعارضة لأحكام الله، ويكفرون كل زوار الأضرحة والمزارات لكونهم مشركين لله تعالى في عبوديته، ويكفرون كل تارك للصلاة لأن حكمه عندهم اتفاقا الكفر الأكبر المخرج من الملة، ويكفرون نواب البرلمان لأنهم يشرعون دون الله، ويكفرون كل من تلفظ بسب لله أو الدين قصد بذلك أم لم يقصد، ويكفرون كل من لم يكفر المشركين على رأيهم أو لم يكفر اليهود والنصارى، ويكفرون كل من رأوا أنه استهزأ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم كمن سخر باللحية أو لبس القصير من الثياب، ويكفرون السحرة ومن رضي بفعلهم، ويكفرون كل من اعتبروه مظاهرا للمشركين مواليا لهم، فماذا بقي في المجتمع كل هؤلاء؟
كانت معالجة هذا الموضوع والتخفيف من هذا الغلو من أولى أولياتي ، وهو ما اشتغلت عليه في المحور الثاني والذي كان خاصا بفئة الشباب والطلبة،وإن كان من شيء استمتعت به في بداية تجربتي بمدينة فاس فهو تلك الرفقة من الشباب الطيب، والممتلئ حماسا وحرصا على طلب العلم، بل والممتلئ صدقا ورغبة في التضحية والعمل في سبيل دينه.
كان الذي يجمع هؤلاء الشباب هو ملاحظاتهم على الجيل الذي سبقهم، وعدم وقوعهم في مستنقعات التكفير، وعدم اقتناعهم بما كان عليه شيوخ التيار قبلي بهذه المدينة من مسالك يرونها تجاوزها الزمن، أو يطبعها كثير من التشدد والغلو، أو غلبت عليها السآمة والرتابة، ولعل متابعة هؤلاء الشباب لدراستهم في المدارس النظامية، هو ما أهلهم لإصدار مثل هذه الأحكام في حق هؤلاء الدعاة الذين كان لهم أثر ظاهر في تأطير وتوجيه أبناء التيار لمدة طويلة.
كان التقارب العمري، والأسلوب الجديد الذي اعتمدته في إرسال المعلومة، وخلق أجواء من التفاعل والتجاوب أثناء الدروس، وتكليف الشباب بالقيام ببحوث ومناقشتها وكأنها بحوث جامعية، كافيا لالتفاف هؤلاء الشباب حولي، بل جمعهم بين صفتي التلمذة و الصداقة، تلاميذ مجدين متفاعلين وقت الدرس، أصدقاء وأصحاب خارج الدرس وفي ملعب الكرة وعند صخرة من الصخرات المطلة على سد عوينات الحجاج.
تطورت علاقتي بهؤلاء الشباب لحد إقامة المخيمات الصيفية، وترتيب المحاضرات لي داخل الثانويات ، كما حصل بثانوية بنسودة، والتي ألقيت فيها محاضرة شهدت إقبالا وسعا من التلاميذ، بل امتد الأمر لتكوين فصيل من الطلاب بكلية الآداب فاس سايس وإصدارهم لمجلة حائطية نشرت على لوحات الكلية.
هؤلاء الشباب كانوا من ألصق الناس بي، وأعرفهم بأفكاري ما أسر منها وما أعلن، وكانوا من أكثر الناس تعرفا على طباعي ومنهجي وتصوري، ولهذا لا غرابة أن يكون أغلبهم ممن سيتصدر مسلسل المراجعات فيما بعد بسلاسة ودون أي اعتراض أو تردد.
لكن علاقتي بهم لم تمنعني من مواصلة الاشتغال على المحور الأول، وأصبحت لي جولات أسبوعية حول مختلف دور القرآن بالمدينة، وعظم الإقبال على الدروس والمحاضرات، وبدأت أحفر لنفسي اسما بل أتفوق حتى على كثير ممن كان لهم الماضي العريق بالمدينة، بل بدأت أجد الشجاعة في نقد بعض ما كان عليه القوم قبلي، أو تربوا عليه عند مشايخهم، خاصة في أبواب التكفير والتي خصصت لها دروسا وندوات ومحاضرات.
أذكر أنني كنت مسافرا ذات يوم، فتخلفت عن موعد درسي الأسبوعي بحي النرجس، وحدث أن كان الشيخ محمد الفزازي حاضرا بالمدينة، فطلب منه البعض أن يحل بديلا عني، فأثار في درسه قضية عقدية متعلقة بالولاء والبراء، وحكم بأن موالاة الأعداء درجة واحدة يكفر صاحبها بغض النظر عن شكل هذه الموالاة، فكان أن عارضه أحد شباب التيار السلفي التقليدي، وبلغ المناقشة من الحدة ما جعل الحضور ينتفضون في وجه الشاب ويعنفونه بقسوة، ولم يفلت منهم إلا بصعوبة، ولما كانت عودتي أخبرت بتفاصيل الحادثة، فما كان مني في الدرس الموالي إلا أن وضعت أمامي صفا عاليا من المجلدات والمراجع، وانتصرت لذلك الشاب ورأيه، مما لم يرق لكثير من الحضور والذين بدؤوا يذيعون ما مفاده أني لا زلت متأثرا بما يسمونه لوثة الإرجاء.
ومع كل هذا، فقد كانت ثقة الناس بي تتضاعف يوما بعد يوم، ليس عند أبناء التيار فحسب، بل عند عموم الناس بمختلف الأحياء التي كنت أحاضر بها، وهو ما سيدفع بعض أبناء حي بنسودة إلى أن يطلبوا مني أن أكون خطيبا للجمعة في أحد مساجدهم.

في الحلقة القادمة: بعد خطبتين أو ثلاث، تقع أحداث الحادي عشر من شتنبر

شارك المقال