لم تعد أخبار المجرمين هي التي تغطي الصفحات الأولى للجرائد المتخصصة في ملاحقة أخبار الجريمة والعقاب بالمغرب، أصبح رجال الشرطة ينافسون المجرمين على هذه الصفحات. كل أسبوع تعاقب إدارة الأمن أحد موظفيها، أو تقيله، أو تقدمه للعدالة. آخر دفعة من هؤلاء الأمنيين، الذين انتقلوا في صفقة «حاميها حراميها» إلى الطرف الآخر، 20 شرطيا أحالتهم الإدارة العامة للأمن الوطني إلى التحقيق بتهمة التواطؤ مع تجار المخدرات ومروجي أقراص الهلوسة. فرقة كاملة تقبع الآن في سلا في ضيافة المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع لـDST، الذي أصبح في يد واحدة مع إدارة الأمن الوطني بعد تعيين عبد اللطيف الحموشي على رأس هذه الأخيرة بعد غضبة ملكية أطاحت ببوشعيب الرميل.
الحموشي يسابق الزمن، منذ تعيينه على رأس إدارة الأمن الوطني، لوضع بصماته على مؤسسة أهملت طويلا، وظلت بعيدة عن الإصلاح والتحديث والعصرنة، حتى أصبحت جزءا من المشكلة الأمنية بالمغرب عِوَض أن تكون جزءا من الحل. لسنوات طويلة، اهتمت الدولة بالدرك الملكي وأجهزة المخابرات لأنها جزء من أمن النظام، وأهملت جهاز الأمن المكلف بخدمة المجتمع وتأمين سلامته، ولكم أن تقارنوا بين تكوين الدركي وتكوين الشرطي، بين أجرة الدركي وأجرة الشرطي، بين خدمة الدركي وخدمة الشرطي، بين المحضر الذي يكتبه الدركي بصفته الضبطية والتقرير الذي يكتبه الشرطي بالصفة نفسها… ستجدون فرقا كبيرا بين الاثنين، لأن هناك فرقا في نظرة الدولة إلى كل جهاز، وفي المحصلة النهائية ستجدون نتيجة هذا الاختلاف في نظرة المواطن العادي إلى الدركي ونظرته إلى الشرطي؛ الأول يحترمه في العموم، والثاني يشفق عليه في الغالب، ويشتكيه ويشكو خدماته في جل الأحوال.
هناك اليوم تحديات أمنية كبيرة تفرض على الدولة أن تهتم بإصلاح جهاز الشرطة، وعموم الأجهزة الأمنية، حتى تؤدي وظيفتها في احترام تام للقانون، ولحقوق الإنسان، ولضرورة حماية المواطنين، وإشاعة الإحساس بالأمن والطمأنينة والسلامة في مجتمع مفتوح، تزداد فيه حدة التوترات الاجتماعية الناتجة عن البطالة والفقر، وتتطور فيه تقنيات الإجرام بكل أنواعه…
إصلاح جهاز الشرطة يبدأ بإعادة تعريف وظيفة هذا الجهاز الحساس، الذي وظف لعقود طويلة في مهام ليست من مهامه، في صراع الدولة مع خصومها، ولكم أن تقرؤوا الكتاب الأسود الذي وضعته هيئة الإنصاف والمصالحة عن سنوات الرصاص، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. هذا الانحراف الذي جرى في العهد السابق أثر على صورة جهاز الشرطة في المغرب، حتى أصبح المواطنون يخافونه أكثر مما يحترمونه، ويتجنبون الاستعانة بخدماته أكثر مما يلجؤون إليه. انظروا إلى النكت التي تطلق عن الشرطة التي لا تحضر إلى مسرح الجريمة إلا إذا كان هناك دم، وتأملوا ذلك المثل الذي يقول: «إذا رأيت لصا يجري فلا تعتقد أن الشرطة تلاحقه.. الشرطة لا توجد حيث يتحرك اللصوص»، هناك عشرات الأمثلة والحكايات التي يرددها الناس حول الشرطة بالمغرب من واقع معيشهم اليومي، ونظرتهم إلى هذه المؤسسة التي تحمي الاستقرار في البلاد أكثر من اهتمامها بتوفير الأمن للعباد، وفرق كبير بين حماية الاستقرار، على أهميته، وحماية أمن المواطن. للأسف، لا نتوفر على دراسات ولا على إحصائيات ولا على أرقام لتقييم علاقة الشرطة بالمواطن.. دائما كانت هناك حساسية كبيرة تجاه هذا الموضوع، حتى أصبحت شؤون الأمن وسياساته حكرا على حلقة ضيقة من رجال ثقة النظام، فبرامج الأحزاب خالية تماما من أية أفكار أو مقترحات حول السياسات الأمنية، رغم أن الأمن أحيانا يصير أهم من الخبز، وأهم من العمل، وأهم من الاستثمار، فعندما يشعر الإنسان بالخوف فإن نشاطه وعقله وإنتاجه تصاب بالشلل. قبل أسبوعين، نظم يوم دراسي في البرلمان حول السياسات الأمنية وحقوق الإنسان، حضره برلمانيون وسياسيون ووزراء سابقون، وكانت المفاجأة أن أحدا من هؤلاء لم يقل ولو جملة مفيدة في الموضوع غير ترديد الكليشيهات المعروفة، والجمل المستهلكة حول الحكامة الأمنية واحترام حقوق الإنسان، والوقاية من التعذيب، وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة. وفي الأخير اعترف ممثلو الأمة بالعجز عن اقتراح أي سياسة أمنية بديلة عن السياسة القائمة التي يعترف الجميع بعجزها وقصورها، لأن الشأن الأمني ظل بعيدا عن اهتمام الأحزاب، سواء القريبة من النظام أو البعيدة منه، فالقريبة لم تكن تهتم بالمجال المحفوظ للسلطة، والبعيدة لم تكن تتوفر على المعلومات ولا المعطيات ولا الخبرات التي تمكنها من مناقشة الاختيارات الأمنية في البلاد. أحزاب المعارضة كانت تقضي جل وقتها في الهروب من الأمن لا في مناقشة عمله وسياساته وتكوينه ووسائله.
إصلاح أجهزة الأمن جزء من دمقرطة نظام الحكم، وإعادة النظر في تمثل جهاز الأمن للسلطة جزء من مصالحة الدولة مع المجتمع. رجل الأمن موظف مثل ساعي البريد يتقاضى أجرا مقابل القيام بمهمة، والسلاح المربوط في خصره أداة للعمل منحه إياها المجتمع للقيام بمهمة مضبوطة في الزمان والمكان والاختصاص والقانون. الذي يدفع المواطن إلى احترام الأمن والانصياع لأوامره والانضباط لتعليماته هو المشروعية التي يمثلها رجل السلطة في الشارع.. مشروعية العمل بحياد وضمير ومهنية، وفق القانون الذي وضعه المجتمع عن طريق ممثليه في البرلمان، وجهاز الأمن يشتغل بأموال دافعي الضرائب.. هذا الربط ضروري ومطلوب، ومن هنا يجب أن يبدأ الحموشي في رحلة إصلاح الجهاز الأمني.
شريط الأخبار
أولمبيك الدشيرة يعلن فك الارتباط مع المدرب مراد الراجي بالتراضي
المركز الروسي للعلم والثقافة بالرباط يحتفل بالذكرى81 لانتصار الشعب السوفيتي
القناة الأولى تراهن على الدراما التراثية من خلال سلسلة « بنت_الجنان »
ندوة دولية بالدار البيضاء تضع الهجرة تحت مجهر البحث الأكاديمي
2500 درهم لحضور حفل وائل جسار بالدار البيضاء يثير الجدل
السينما المغربية تستقبل فيلم “التسخسيخة” لسعيد الناصري
عمر بن عيدة يقدّم كتابه حول الجهوية والتنمية الترابية
طنجة: انتشال جثة طفل عمره تسع سنوات لقي مصرعه غرقا في بركة « سد مغاير »
ضحى الرميقي تطرح عملها الجديد « محايني » في فيديو كليب بتقنيات الذكاء الاصطناعي
سعد لمجرد أمام القضاء الفرنسي مجددًا في قضية اغتصاب