بنكيران ظاهرة سياسية، وآلة تواصلية، وقوة خطابية، وزعامة فرضت نفسها اليوم.. هذه حقائق لا يختلف حولها خصوم بنكيران كما أصدقاؤه.. هو رجل مثير للجدل طبع مرحلة سياسية بأكملها، بما له وما عليه. هو رئيس أول حكومة بعد الدستور الجديد والربيع الجديد والوعود الجديدة بالإصلاح والتغيير… عندما يفرح يطلق نكتا وضحكات لا تخلو من رسائل سياسية. عندما يغضب يخرج أسلحته الثقيلة في وجه خصومه، ويبدأ في إطلاق النار، يتحدث بأكثر من لغة إلا لغة الخشب.. سيرة بنكيران صارت اليوم على كل لسان، فهناك من يحبه وهناك من يكرهه، وهناك من يقف في الوسط بين الحب والكره، يتفق معه ويختلف حسب الظروف والأحوال، لكن الجميع يتابع خطبه، قراراته، معاركه، خرجاته، وحتى صمته صار يؤول اليوم في الساحة السياسية، وتعطى له مبررات ودلالات… للاقتراب أكثر من بنكيران الإنسان، نخصص هذه السلسلة الرمضانية للحديث مع الرجل الثاني في الدولة على لسانه، وبالرجوع إلى ذاكرته هو دون وساطة أو توسط.. بعيدا عن السياسة، قريبا من بنكيران المواطن، والغرض أن نفهم زعيم العدالة والتنمية أكثر، أن نعيد قراءة سيرته، ومراحل تشكل وعيه، وتضاريس الواقع الذي أحاط به. إنها سلسلة للاقتراب أكثر من هذا الذي صار سيرة على كل لسان.. لنتابع…
قصة الرصاص الذي صوّب نحو عبد الإله بنكيران في فرنسا التي سردها في الحلقة الماضية، انتهت بمشهد غريب يتمثل في طريقة العثور على القاتل، «والغريب في الأمر هو أنه نام غير بعيد عن مكان الجريمة، حيث كان في حالة سكر، ولم يتمالك نفسه فاستسلم للنوم، واعتقل بسلاحه في اللحظات الموالية. وأذكر أنني لم أمكث بعد ذلك الحادث سوى يوم واحد، حيث جاء من قال لي: ‘‘عليك أن تغادر فورا’’، وأذكر أن من جاء لاصطحابي هو سعد الوديي، حيث وصل إلى المطار واستأجر سيارة أقلني فيها نحو المطار لأعود إلى المغرب».
بعد انطلاق عملية محاكمة الجاني الذي كاد ينهي حياة بنكيران، كان على هذا الأخير أن يعود إلى فرنسا لحضور جلساتها، إلى أن انتهت بالحكم على المتّهم بـ12 سنة سجنا، «لكن ما أذكره أكثر هو أن الفرنسيين حين عدت إلى المغرب قاموا بتعويضي عن كلفة الرحلة الجوية، وسألوني عن طريقة انتقالي من البيت إلى المطار، وقاموا بتعويضي بناء على سعر تذكرة القطار، وهو ما أثّر في كثيرا، لكن المسجد الذي جرت فيه هذه الواقعة بُني بعد ذلك، وأصبح من المساجد التي يسيّرها المغرب حاليا في سانتيتيان».
كانت تلك هي مشاركة عبد الإله بنكيران الأولى والأخيرة في مثل هذه البعثات الدينية التي تنقلها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى الديار الأوربية لتأطير مغاربة المهجر، «وكانت أيضا المرة الوحيدة التي تقاضيت فيها عن القيام بالدعوة مقابلا ماليا، وكان تعويضا من وزارة الأوقاف قدره 30 ألف درهم في ما أذكر، لم نصرف منها شيئا هناك لأن مستقبلينا كانوا يتولّون توفير كل شيء، وكانوا غاية في اللطف والكرم، وأذكر أنني حظيت بإقبال منقطع النظير في دروسي التي ألقيتها هناك. لكن قبل ذلك اليوم لم يسبق لي أن تقاضيت مقابلا عن دروسي، رغم أنني كنت أقدم دروسا في الإذاعة وأتلقى شيكات بـ300 درهم تقريبا، لكنني لم أصرفها أبدا ولم أستعملها لأغراضي الشخصية، بل كنت أمنحها للحركة مباشرة».
التعويض الذي حصل عليه بنكيران من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عن رحلة فرنسا، كان الأول الذي يتولى صرفه بنفسه، «أعتقد أنني أخذته لكنني لا أذكر تحديدا فيم استعملته، ربما لأداء دين ما علي تجاه الحركة أو ما شابه ذلك. لكنني لم أكن راضيا عن نفسي لكوني تلقيت تعويضا عن الدعوة، لأنني قمت بهذه المهمة منذ اليوم الأول لله، ولم أعد إلى ذلك أبدا».