يوم بحثت عن التأصيل الشرعي لما وقع بأمريكا
كما كان يوم الثلاثاء الحادي عشر من شتنبر نقطة فاصلة في تاريخ البشرية، فقد كان نقطة تحول في مساري، فهو اليوم الذي سأتحول فيع في أعين الجهاديين جميعا إلى رمز وقدوة، ومع كل الخلاف غير الظاهر في التعامل مع النظام وتكفيره والاستعداد للخروج عليه، لكن تأييدي لما وقع في ذلك اليوم والفرحة به وإعلان ذلك في الملأ كان كافيا لترتفع أسهمي بل لتصل قمتها وذروتها عند أبناء التيار.
تحمست لما وقع كما لم أتحمس من قبل، بكل صدق وإخلاص واندفاع، وحولت كل المنابر للحديث عما سميتها بغزوة مانهاتن المباركة، كان أول التحديات التي واجهتني سؤال المشروعية، فلم يكن التيار الجهادي لوحده من بارك الحدث، بل عموم الناس من غير المثقفين والطبقات الشعبية خرجت في الشوارع مهللة مستبشرة بما وقع، لكن السؤال الذي كان يلح عليه أبناء التيار ويريدون جوابا عليه، ليس للاقتناع، فهم مقتنعون مهما كان الأمر، لكن فقط ليردوا على أبناء التيارات الأخرى وعلى النخب التي تسارعت لإدانة الحدث، وكانت هذه طبعا مسؤولية من تصدروا للدعوة والمشيخة.
رغم أنني دروسي كانت موزعة بين أهم أحياء فاس كما بينت سابقا، لكن أهم موعد كنت أنتظره على أحر من الجمر، وكنت أهيء له ما لا أهيء لغيره، هو الدرس الذي كنت ألقيه بعد مغرب كل صلاة جمعة بجمعية الإمام مالك بحي سيدي بوجيدة، سواء بمقرها القديم الذي كان على الطريق الرئيسية قريبا من جنان بوطاعة ،أو الجديد بدرب التويزي والتي كانت أوسع وأضخم ، وذلك لكثافة الحضور الذي كان يصل أحيانا لثلاثة آلاف أو أكثر، ولأن موقعها يجعلها مركز استقطاب للقادمين من مختلف الأحياء ، خاصة وأن المقر الجديد كان له بابان، باب خلفية مطلة على جنان بوطاعة يحج إليها الشباب من سيدي بوجيدا وكل الجنانات وصهريج كناوة والمدينة القديمة، وباب علوية مقابلة لأحياء فاس العلوية، كبنسليمان ولابيطا وعين هارون وبن دباب، فكان تشهد من الحضور والتفاعل والأجواء ما لاتجده في غيرها من المننتديات التي كنت أتردد عليها.
كان لا بد لي من إعداد التأصيل الشرعي لتبرير ما وقع ذلك اليوم، ليكون جاهزا يوم الجمعة، ولأن نصوص الكتاب والسنة حمالة تجد فيها كل المناهج بغيتها، وليس من الصعوبة توفير الغطاء الشرعي والتأصيل العلمي لأي عمل مهما كان مخالفا لأصول الشريعة ومقاصدها، فلم أستغرق وقتا طويلا لأقف على ما كتبته المدرسة السعودية المؤيدة لما وقع خلافا للموقف الرسمي، وأعني مدرسة الشيخ حمود العقلا الشعيبي هذا الرجل الذي يستحق أكثر من دراسة لتمكنه في غفلة عن الإعلام من تأسيس مدرسة سلفية جهادية بالجزيرة العربية، والرجل وإن اختطفته الموت شهورا فقط بعد أحداث سبتمبر، لكنه ترك مدرسة ممتدة الفكر كان من أبرز شيوخها: ناصر الفهد وسليمان العلون وفهد الخضيروأحمد الخالدي، وهي المدرسة التي ستكون مرجعية شرعية لنا طيلة الأحداث التي ستتوالى فيما بعد.
كان التبرير الشرعي الذي قدمته خلال ذلك الدرس يرتكز حول أمرين: التأصيل لما حدث، والرد على أدلة المخالفين والتي نسميها عادة شبها تضعيفا لها وتهوينا، فأما التأصيل فكان منبنيا على مبدأ الولاء والبراء ، واعتبار أمريكا دولة محاربة عدوة للإسلام والمسلمين ، يجب الفرح لكل ما أصابها من حزن ودمار، مستحضرا كل النصوص التي يستدل بها في الباب، ومن أهمها قول الله تعالى: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برؤاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاءأبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) وغيرها من نصوص الباب.
وأما ما نسميه شبها من أدلة المخالفين فيتلخص في نقطتين: أن الذين قضوا في الحادثة أبرياء لا يحل قتلهم ، وأن التسعة عشر الذين قاموا بالعملية خانوا العهود والمواثيق وقد كانوا مقيمين في أمريكا بشكل رسمي وبحماية قانونية أمريكية.
أما النقطة الأولى فلم نعدم أدلة رأيناها كافية للرد على ما يحاول به الخصوم إثارة عواطف الناس ، وقد انبنى الرد على أمرين:
الأول : أحاديث و أحكام يفهم منها جواز ضرب البريء تبعا لا قصدا و منها ما روى الصعب بن جثامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أهل الديار من المشركين يبيّتون فيصاب من نسائهم وذرياتهم ، قال : هم منهم ، ففهمنا منه جواز قتل النساء والصبيان إذا اختلطوا بغيرهم، وما جاء من ضرب رسول الله لأهل الطائف بالمنجنيق، وهي آلة رمي عن بعد لا تفرق بين بريء وغيره، وما ذهب إليه الفقهاء من جواز قتل الترس ، وهم الأسرى من المسلمين إذا استعملهم العدو ترسا يتقون به هجوم جيش المسلمين.
الثاني: تحديد معنى الأبرياء، وهؤلاء الذين قتلوا إما أمريكيون وإن كانوا مدنيين، فكونهم من دافعي الضرائب أو ممن يساهم برأي أو مشورة يجعلهم مساهمين في الحروب التي تشن على المسلمين، فلا معنى لبراءتهم، بل يسمون محاربين ومن أهل الردء، وإما لا يساهمون لا بمال ولا برأي ولا مشورة أو مسلمين فهؤلاء لا يجوز قتلهم انفرادا وجاز قتلهم مختلطين بغيرهم ، وغالب من قتل من الصنف الأول.
وأما شبهة العهد والميثاق فرددنا عليها بكون أمريكا قد خرقت هذه العهود بحروبها على الإسلام والمسلمين، فلا عهد ولها ولا ميثاق، مستدلين بقول الله تعالى: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون).
وبهذا التأصيل والردود التي أعددتها أزحت عني عبءا تحملته في بداية الحدث، إذ كان غالب الناس بين سعيد بما حصل ذلك اليوم، ومتأسف علي سقوط الأبرياء ، خاصة في وسائل الإعلام ومن العلماء الذين أدانوا ما وقع ذلك اليوم، واعتبرنا إدانتهم نوعا من النفاق والانبطاح والانهزامية.
في الحلقة القادمة: كيف تعاملت مع موقف الحركات الإسلامية من الحدث؟