ابو حفص يكتب : مراجعات لا تراجعات (الحلقة 22)

16/07/2015 - 16:56
ابو حفص يكتب : مراجعات لا تراجعات (الحلقة 22)

في مواجهة الحركة الإسلامية

انتهى سؤال المشروعية، واطمأنت قلوب الحاضرين إلى أن يطلقوا العنان لفرحهم واستبشارهم دون تحفظ ، حولت دروسي بمختلف دور القرآن لشرح أبواب الجهاد وأحكامه مع تنزيل ذلك كله على ما يقع بأمريكا وردود فعلها بعد الحادثة، انتقلت في رسالة القيرواني من باب الصلاة إلى باب الجهاد، وتحولت في شرح البخاري من كتاب الإيمان إلى كتاب الجهاد والسير، ولم يكن لي كل حديث بعد كلمتي بوش المأثورتين: هذه حرب صليبية ، وإما معنا وإما ضدنا، وكلمة الشيخ أسامة بن لادن: انقسم العالم إلى فسطاطين، إلا عن تنزيل هذه الكلمات على الواقع، وتقسيم الناس جميعا إلى معسكرين: معسكر الحق ومعسكر الباطل.

بمثل هذه الرؤية الضيقة كان تعاملي مع الحركة الإسلامية التي أدانت ما حدث ذلك اليوم، كانت علاقتي قبل هذا اليوم بالحركة الإسلامية يطبعها الوئام والود، بحكم قربي من مختلف مكوناتها منذ صغري ومشاركتي في كثير من أنشطتها، ولم تتوتر علاقتي بأحد أطرافها في يوم من الأيام رغم توجهي السلفي، ورغم أنني وجدت نفسي تلقائيا بعد عودتي من المدينة في أحضان تيار جهادي يعلن العداء للحركة الإسلامية ويشن حربا عليها بلا هوادة، إلا أنني حافظت على ما رباني عليه والدي من احترام كل هذه الحركات واحترام اجتهادها ، وعدم الاحتكاك بها مطلقا رغم ما أسجل عليها من مخالفات بحكم طبيعتي السلفية. بل حتى بعد انتقالي لفاس، كانت علاقتي بمختلف الأطراف متميزة، وحاضرت بمختلف دور القرآن التابعة لحركة التوحيد والإصلاح، وحضرت كثيرا من اللقاءات المشتركة، وكنت أحظى لدى أغلبهم بالاحترام.

لكن الرؤية الجديدة التي تقسم العالم لمعسكرين لا وسط بينهما، جعلتني أخرق تلك المسافات وأوجه هجوما حادا ولاذعا للموقف الذي اعتبرته انهزاما وانكسارا وخضوعا وخنوعا واستسلاما، من كثرة حماسي لما آمنت به من فكرة لم أتقبل وجود رأي مخالف في الباب، ولهذا هاجمت بكل قوة وشراسة. كان أول ما استفزني ذلك القداس الذي أقيم بكنيسة الرباط حزنا على ضحايا الحادي عشر من شتنبر، وحضره الدكتور عبد الكريم الخطيب الذي كان وقتها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ثم بيان للدكتور أحمد الريسوني أدان فيه ما وقع بالولايات المتحدة، كان ردي على الرجلين قويا ولاذعا وحادا ومتجاوزا لكل الأدب، اعتبرت موقفهما تخليا عن المشروع الإسلامي ونكوصا عن واجب النصرة واستسلاما ورضوخا للولايات المتحدة، ولم يكن مقبولا عندي اعتبار الموقف اجتهادا ولا حتى خطئا مستساغا ، لا زلت أذكر والدي وهو يؤنبني شديد التأنيب على مهاجمتي للرجلين وشدتي عليهما.

هذا الهجوم اللاذع أدى لاحتكاكات واسعة بين أبناء التيار الجهادي وأبناء حركة التوحيد والإصلاح ، وصل ذلك حد الاصطدام حين حاول أحد شباب الحركة معارضتي بعد نهاية درس ألقيته بدار القرآن سيدي بوجيدة ، فثارت عليه المجموعة التي معي بحماس وانفعال، وأخرجوه من محل المحاضرة، لأتمكن من استئناف الدرس دون إزعاج أو مقاطعة. كانت كل دروسي ومحاضراتي وخطبي للجمعة مخصصة لهذا الحدث ومتابعة تطوراته وأحداثه، كلفنا من يتردد على مقاهي الأنترنت ليمدنا بمطبوعات عليها آخر الأخبار والمستجدات، تابعنا بدقة كل تداعيات الحدث، جمع بوش جموعه لغزو أفغانستان، فما زادنا ذلك إلا حماسا وانتصارا، ومع كل هجوم أمريكي بشع يخلف وراءه أرواحا بريئة وخسائر جسيمة يحتد ذلك الحماس وتتصاعد النبرة ويزداد الخطاب قوة، بل ما يزيد ذلك الناس إلا تعاطفا وانسجاما مع ما كنت أطرحه بإخلاص وصدق.

الهجوم الأمريكي على أفغانستان سيثير إشكالية جديدة على الساحة، ما حكم التعاون مع الأمريكان ومساندتهم في الهجوم على شعب مسلم أعزل؟ ، كان ردنا واضحا متناسقا مع ما نحمل من أفكار سلفية نجدية أشربناها لسنوات من خلال أدبيات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه في المدرسة النجدية، موالاة الكافر ودعمه في حرب ضد المسلمين أحد نواقض الإسلام العشرة، هذا ما درسناه وأخذناه عن كل من عرفنا من المشايخ والعلماء منذ نعومة أظافرنا، وهو ما أكده وجمع نصوصه الشيخ ناصر الفهد وأخرجه في كتاب متعلق بعين الحادثة ، وسماه: التبيان في حكم من أعان الأمريكان، والنتيجة: المشاركة المغربية في الحرب على أفغانستان ردة وكفر. لم أكن الوحيد الذي تبنى هذا الطرح في التعامل مع الموضوع، الأستاذ عصام البشير المراكشي خطب خطبة عن أفغانستان انتشرت كالنار في الهشيم، والشيخ عمر الحدوشي أصدر بيانا ناريا في الموضوع، والأستاذ حسن الكتاني كتب فتوى ضمنها أقوال علماء المالكية المتقدمين، في اعتبار مساندة الأمريكان ردة وخروجا عن الملة،

وحاول أن يحشد لها توقيعات كثير من الأسماء العلمية البارزة، ونجح في ذلك لولا أن كثيرا منهم أعلن تراجعه بعد ذلك واتهم الكتاني بالتزوير والتدليس ، وقد قيل أن ذلك بضغط من وزير الأوقاف السابق الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري الذي أكرههم على إعلان التراجع. لم يكن لي فيما قبل أي تواصل يذكر مع مشايخ التيار الجهادي إلا علاقتي القديمة منذ كنت صغيرا بالشيخ الفزازي، وزيارة أو اثنين للشيخ الحدوشي بتطوان، فكانت هذه الأحداث المناسبة التي ستقربني منهما من جديد، وستعرفني على الأستاذ عصام البشير، وستحيي علاقة قديمة تعرضت للموت وقتا مع الأستاذ حسن الكتاني.

في الحلقة القادمة: كيف تعرفت على الأستاذ حسن الكتاني؟ ولماذا انقطعت العلاقة بيننا ؟ وكيف عادت من جديد؟

شارك المقال