ابو حفص يكتب :مراجعات لا تراجعات (الحلقة23)

17/07/2015 - 03:00
ابو حفص يكتب :مراجعات لا تراجعات (الحلقة23)

قصتي مع الأستاذ حسن الكتاني

لم تكن علاقتي بالأستاذ حسن الكتاني مرتبطة بهذه الأحداث، بل يصل عمرها لأكثر من عشرين سنة، فهو صديق الشباب وزميل المحنة ورفيقي في أهم الأحداث التي عشتها في حياتي.
كنت حديث عهد بنيل شهادة الباكلوريا، وكان والدي في زيارة للدكتور عبد الكريم الخطيب بعيادته ، وهناك التقى بالدكتور مولاي علي الكتاني العالم المتخصص في الطاقات المتجددة والرجل الذي جاب شرق الأرض وغربها داعية متجولا، وهناك عرض عليه التحاقي بجامعة آل البيت بالأردن والذي كان عضوا بمجلس إدارتها، وطلب منه التحاقي به ليمدني بما أحتاج من وثائق ويعرفني بما يلزمني من إجراءات.
استقبلني مولاي علي في عيادة الدكتور الخطيب، وبعد استكمال حديثي معه حول الالتحاق بالجامعة، طلب مني مرافقته إلى بيته للتعرف على أحد أبنائه وقضاء اليوم معه إن أردت ذلك، فكانت الموافقة مني سريعة لتطلعي لبناء علاقة مع أحد أبناء الرباط، ومن هذا المستوى الراقي اجتماعيا وفكريا.
جلست في غرفة من غرف الفيلا القائمة بحي السفراء أنتظر قدوم ابن الدكتور، حتى دخل على شاب وسيم بلحية خفيفة جدا وقميص سعودي أبيض بأزرار يدوية صفراء ، خاطبني أول ما لقيني بابتسامة بالغة البشاشة، ولكنة أقرب إلى المشرقية منها إلى المغربية، أنا حسن الكتاني، كانت تلك نقطة البداية.
استرسل بنا الحديث طويلا وتعرف بعضنا على بعض ، التحق بنا صديقه الحميم طارق ، فامتد بنا الوقت وكل واحد منا يعرض بضاعته على الآخر، عرفتهما على كل التجارب التي عشتها والأدبيات التي اطلعت عليها، وعرفني على كل مساره بالحجاز ومعارفه من العلماء والمشايخ ، حدثني بإسهاب عن علاقته الوجدانية الكبيرة بالجماعة الإسلامية المصرية، وشدة إعجابه بها، أراني نسخة من ميثاق العمل الإسلامي الذي كان دستور الجماعة، وصور الشيخ عمر عبد الرحمن الذي كان يؤثث بها غرفته.
من أكثر المواضيع التي جمعتنا في ذلك اليوم الذي لا أنساه أبدا، إعجابنا المشترك بتجربة التيار السروري بالسعودية، خاصة سلمان العودة وسفر الحوالي، اعتبرنا التجربة رائدة في الجمع بين العقيدة السلفية والاهتمام بفقه الواقع ، لا مست التجربة قلوبنا بحكم جمعها بين اتجاهين لهما في قلوبنا المكانة العظمى، العقيدة السلفية والتجربة الإخوانية، كنت إذاك متأثرا جدا بما كتبه الشيخ سلمان العودة في كتابه ( سلسلة الغرباء) وتأصيله لمفهوم أهل السنة والجماعة والطائفة المنصورة، وكان أول من فرق بينهما واعتبر الطائفة المنصورة الفرقة السنية المقاتلة مع اعتمادها لكل أصول أهل السنة والجماعة، لم يكن لي إلا ثلاثة أجزاء من السلسلة وكان الجزء الرابع المتعلق بالغربة نادرا ومفقودا، كان ذلك الجزء المفقود هو أول هدية أتلقاها من صديقي حسن، وما أكثر هداياه التي ستتوالى بعد ذلك مزينة بخطه الجميل وتعابيره الراقية، بادلته الهدية بنسخة نادرة من مجلة (القبلة) التي كانت تصدر سرا عن شباب التيار السروري بمكة، وكانت تحمل نقدا لاذعا للنظام السعودي وسياساته، ولم يكن من اليسير الحصول عليها.
توالت الزيارات بيننا وتعمقت العلاقة، كنت سلفيا متشددا لا ألبس إلا القميص وكان وقتها صديقي حسن شابا صغيرا يلبس السروال والقميص الذي كنا نسميه لباسا إفرنجيا، ويزاول دراسته أعجبت بكل ما بحمل مع صديقه من أفكار رغم تضايقي من لباسهما العصري وتساهلهما في الاستماع إلى الأناشيد بدف، وهو ما لم أكن أستسيغه من شابين بعقيدة سلفية.
من عجائب القدر أن جامعة آل البيت بعمان الأردنية راسلتني لتخبرني بقرار قبولي بالجامعة، ويومان بعدها تراسلني الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بنفس الخبر والقرار، كنت حاسما في اختياري نحو المدينة، وهو الحسم الذي أزعج صديقي حسن، والذي بذل كل جهده لإقناعي بتحويل الوجهة نحو عمان، حاول إغرائي بأجواء الحرية التي تعرفها الأردن مقابلة بالسعودية، أنذرني بما سألاقيه من المداخلة وما سأعيشه من محنة بينهم، كانت ملاحظته وجيهة بحكم السنوات الطوال التي عاشها في جدة، لكن كل محاولاته معي ذهبت هباء، فإغراء المدينة وقدسيتها لا يقاوم، سعى في محاولة أخيرة للاتصال بوالدي ليمارس ضغطه لعلي أغير قراري ووجهتي، وبدون فائدة كان قراري حاسما.
التحقت بالجامعة بالمدينة والتحق صديقي حسن بجامعة آل البيت بعمان، وهناك بلغته أخبار تأثري بالمداخلة فراسلني في ورقات طوال وسطور تتطاير غضبا، يحاول ثنيي عن ذلك وإقناعي بالرجوع عن ذلك المسلك، رددت عليه في رسالة أطول منها مبرزا قناعاتي وأسباب تغيري بصدق، انقطعت العلاقة بيننا بعد ذلك نهائيا، لم يكسر هذه القطيعة إلا لقائي به صدفة عند أبواب الحرم المدني، استدعيته لبيتي وأنا في كامل السرور والبهجة، كنت يومها قد أعلنت حربي على المداخلة، ومع ذلك انقطع كل ما بيننا من تواصل.
شهورا فقط قبل أحداث الحادي عشر من شتنبر، فوجئت على قناة الجزيرة بخبر موت الدكتور مولاي علي الكتاني في ظروف غامضة بقرطبة الإسبانية ، فقصدت بيت صديقي حسن معزيا في رجل له في قلبي وإلى اليوم مكانة عظيمة، كانت مناسبة لاسترجاع كل ما مضى من سنوات القطيعة، لكن تلك الزيارة لم تكن كافية لتوطيد العلاقة بما ستصبح عليه بعد ذلك،الذي وطدها وأعادها لما كانت عليه سابقا، بل أقوى بكثير مما كانت عليه سابقا، هي أحداث الحادي عشر من شتنبر.

في الحلقة القادمة: كيف تطورت علاقتي بشيوخ التيار؟ وكيف تحولت إلى أيقونة؟

شارك المقال