بنكيران ظاهرة سياسية، وآلة تواصلية، وقوة خطابية، وزعامة فرضت نفسها اليوم.. هذه حقائق لا يختلف حولها خصوم بنكيران كما أصدقاؤه.. هو رجل مثير للجدل طبع مرحلة سياسية بأكملها، بما له وما عليه. هو رئيس أول حكومة بعد الدستور الجديد والربيع الجديد والوعود الجديدة بالإصلاح والتغيير… عندما يفرح يطلق نكتا وضحكات لا تخلو من رسائل سياسية. عندما يغضب يخرج أسلحته الثقيلة في وجه خصومه، ويبدأ في إطلاق النار، يتحدث بأكثر من لغة إلا لغة الخشب.. سيرة بنكيران صارت اليوم على كل لسان، فهناك من يحبه وهناك من يكرهه، وهناك من يقف في الوسط بين الحب والكره، يتفق معه ويختلف حسب الظروف والأحوال، لكن الجميع يتابع خطبه، قراراته، معاركه، خرجاته، وحتى صمته صار يؤول اليوم في الساحة السياسية، وتعطى له مبررات ودلالات… للاقتراب أكثر من بنكيران الإنسان، نخصص هذه السلسلة الرمضانية للحديث مع الرجل الثاني في الدولة على لسانه، وبالرجوع إلى ذاكرته هو دون وساطة أو توسط.. بعيدا عن السياسة، قريبا من بنكيران المواطن، والغرض أن نفهم زعيم العدالة والتنمية أكثر، أن نعيد قراءة سيرته، ومراحل تشكل وعيه، وتضاريس الواقع الذي أحاط به. إنها سلسلة للاقتراب أكثر من هذا الذي صار سيرة على كل لسان.. لنتابع…
على مدى شهر كامل، فتح رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، أبواب بيته وسجّل ذكرياته الشخصية أمام الرأي العام عبر صفحات «أخبار اليوم»، في تجربة فريدة رأى فيها البعض سعيا من الرجل إلى تسويق صورة «السياسي الشعبي» وفي ذهنه صناديق الاقتراع التي يقترب موعدها، بينما رأى فيها البعض الآخر تمرينا تواصليا غير معهود ولا مسبوق من طرف سياسيي المغرب ووزرائه، والذين ألفوا ابتلاع ألسنتهم والتكتّم، سواء ما يتعلّق بالشأن العام أو بسلوكهم الشخصي.
أشياء كثيرة بعثتها جلسات «أخبار اليوم» الرمضانية مع بنكيران من عمق الذكريات الدفينة، والتي قد تسعف المتخصصين في تحليل السلوك والمنهج السياسي انطلاقا من المعطيات الشخصية والنفسية. فالأمر يتعلّق برئيس للحكومة كان أسبوعا واحدا قبل استقباله في ميدلت ذات يوم من دجنبر 2011، لتعيينه في موقع الرجل الثاني في الدولة، في جولة على منطقة «جبالة»، مدينة تاونات ومحيطها القروي. الحملة الانتخابية في أوج اشتعالها، وأعضاء الحزب من «الجبليين» انتظروا حلول الزعيم بينهم على أحر من الجمر، لتعبئة الناخبين. لبّى بنكيران دعوة أنصاره، وزارهم زيارة خاطفة، ألقى فيها كلمة خطابية حمّست المتعاطفين، وسارع مباشرة بعد انتهاء اللقاء إلى المغادرة، رافضا كلّ الدعوات الملحة التي تلقاها بتناول الغداء في ضيافة أحد «الإخوان». وعندما أصر على المغادرة، «دس» له أحد هؤلاء قدرا من «البيصارة» المعدة بطريقة محلية، ووضعها في سيارة الزعيم. وما إن انطلق هذا الأخير في طريق العودة، حتى تساءل أين يمكن تناول وجبة غداء سريعة، فأخبره مرافقاه بأن قِدرا من «البيصارة» يوجد في صندوق الأمتعة. فتوقّفت سيارة الزعيم قرب أحد المطاعم المتواضعة، ليتولّى أصحابه مهمة تسخين الطعام الذي يحمله بنكيران، وتقديمه رفقة زيت الزيتون المحلي، فأقبل عليه بشهية كبيرة.
وهو نفسه المسؤول الأول عن حكومة دستور الربيع العربي، والزعيم الإسلامي القادم من جذور الحركة الدعوية المعتدلة في سبعينات القرن الماضي، لكنه لا يخفي إعجابه بأنغام موسيقى مجموعة «لالة رحوم»، أي فرقة الحضرة الشاونية التي ترأسها الفنانة رحوم البقالي، لكنك لا تجده ضمن الجماهير التي تتابع مباريات المنتخب الوطني لكرة القدم، لأنه لا يقوى على مشاهدة هذه المباريات «لأنني كانمرض فعضامي، كانمشي نبعد ومرة مرة نشعل الراديو نسمع الخبار ونشوف المغرب ربح ولا لا». لكنه وبعدما لم يكن يشاهد القنوات المغربية إلا حين يذهب لزيارة والدته فيحدث أن يجدها تتفرّج على مسلسل «كوادالوبي»؛ أصبح، بحكم المنصب الجديد، مُرغما على تتبع ما ينشره الإعلام العمومي عنه وعن وزرائه.
هذا التقاطع والتفسير المتبادل بين الحقلين السياسي والشخصي في سيرة أول رئيس لحكومة دستور محمد السادس، يعتبر إحدى أبرز خصائص شخصية ملأت الدنيا وشغلت الناس على مدى السنوات الأربع الماضية على الأقل.