السبتي: الممارسة الديمقراطية هي التي تملي طبيعة الطقوس التي يمكن الإبقاء عليها

27/07/2015 - 05:00
السبتي: الممارسة الديمقراطية هي التي تملي طبيعة الطقوس التي يمكن الإبقاء عليها

 كمؤرخ، ما هي الوظيفة التي تؤديها الطقوس المخزنية كـ (تقبيل اليد، الركوع، العبيد، اللباس، القاموس اللغوي…) في النظام السياسي المغربي؟
بالنسبة إلى هذا الموضوع، يلتقي التناول التاريخي مع التناول الأنتروبولوجي. هناك مفهومان إجرائيان تم توظيفهما في دراسة مجتمعات متعددة. المفهوم الأول هو»مسرحة» أو «استعراض» السلطة la mise en scène du pouvoir(انظر مثلا أعمال جورج بلانديي)، حيث يمكن وصف منظومات من الرموز والحركات والفضاءات التي تشخص (بالمعنى المسرحي) التراتب السلطوي، وتسعى إلى التأثير في المحكومين في اتجاه الشعور بالانبهار أو الرهبة أو الاطمئنان. وقد سبق لابن خلدون في «المقدمة» أن حلل هذا الجانب وسماه «شارات المُلك».
وهناك مفهوم آخر وهو «ابتكار التقليد» l’invention de la tradition (حسب تعبير المؤرخ الأنجليزي الشهير إيريك هُوبسْباوم)، بحيث يتم التمييز بين الأعراف والعوائد في المجتمعات التقليدية، وبين لجوء أنظمة سياسية في سياقات حديثة إلى بناء «تقاليد جديدة» من أجل المحافظة على التماسك الاجتماعي ودعم المشروعية على أساس مرجعية الماضي.
في المغرب، من المعلوم أن هذه العملية الأخيرة تمت خلال القرن العشرين في مرحلتين، ومن المؤسف أن هذا الموضوع لم يحظ بعدُ باهتمام باحثينا من منظور الأنتروبولوجيا السياسية وتاريخ الزمن الراهن. فبسبب الميول الملكية للمقيم العام ليوطي، عمل نظام الحماية على «ترميم» الجهاز المخزني «النيو شريفي»، وتم إقرار مجموعة من الطقوس الجديدة. وبعد ذلك تأتي مرحلة الملك الحسن الثاني الذي قنن مجموعة أخرى من الطقوس الجديدة على أساس أنها تراثية، ومن بينها إدراج حفل الولاء ضمن مراسيم الاحتفال بعيد العرش. وبذلك تم اعتماد التقليدوية من أجل دعم مشروعية السلطوية. وقد لعبت تقنيات النقل التلفزي دورا أساسيا في هذا البناء الرمزي الجديد.
نلاحظ أنه منذ تولي الملك محمد السادس الحكم سنة 1999، بدأت المطالبة علانية بالتخلي عن بعض تلك الطقوس، وبالأساس مسألتي تقبيل اليد، والركوع أمام الملك، انخرط فيها سياسيون ومثقفون ثم شباب حركة 20 فبراير، لكن الاستجابة من قبل المؤسسة الملكية كانت محدودة جدا، كيف تفسر ذلك؟
لقد برزت ظاهرة انتقاد بعض الطقوس في منعطفات ذات حمولة سياسية معينة، إصلاحية مثل «حكومة التناوب» أو احتجاجية مثل حركة 20 فبراير في مناخ انطلاق «الربيع العربي». وقد حصل تطور يحتمل تأويله عدة إمكانيات. هل حدث الانتقال من مرحلة «مرونة» إلى مرحلة عودة التشدد من جانب النسق المخزني؟ إلى أي حد ساهمت الطبقة السياسية في «التطبيع» مع ترسانة الطقوس المخزنية؟ هل تم التعامل بطريقة انتقائية مع مختلف أنواع الطقوس؟ كيفما كان الحال، فالاستجابة لمطلب التخلي عن الطقوس التي تمس بالكرامة يفترض اتخاذ مبادرات حاسمة من قبيل المنع، ومن شأن ذلك أن يؤكد انخراط الدولة في المسار الإصلاحي.
وهناك وجه آخر، وهو أن المؤسسة الملكية، في عهد محمد السادس، أعادت صياغة البناء الرمزي والتواصلي في ثلاثة اتجاهات، وهي الحفاظ على الطقوس ذات الصبغة التقليدية داخل الفضاءات المؤسساتية، وترسيخ صورة البساطة الإنسانية للملك وعائلته في الفضاءات الافتراضية للشبكات الاجتماعية، وترسيخ أسلوب التنقل المستمر للملك عبر التراب المغربي.
ما الذي تربحه الملكية من الاحتفاظ بطقوس يعتبرها جزء كبير من النخبة مهينة وحاطة بالكرامة؟
تقول الأدبيات الأنتروبولوجية التي أشرت إليها في البداية أن اعتماد «التقليد المبتكَر» يفترض اعتماد قواعد تحظى بقبول مختلف أطراف المنظومة السياسية. هناك إذن تعارض بين التشبث بثنائية الإكراه والطاعة، وبين التطور الدستوري المغربي الذي يقر مبدأ دولة القانون.
 لكن، هل يمكن تصور دولة حديثة بدون طقوس؟
لا تتعارض الطقوس مع الحداثة بمعناها المتداول، وأمامنا النموذج الإنجليزي والنموذج الياباني. ويبدو أن الملكية الإنجليزية اعتمدت «ابتكار التقليد» في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في إطار تحديث مفهوم «الأمة». العنصر المحدِّد في هذه الحالة هو التلازم بين الديمقراطية ومنظومة الطقوس، أي أن الممارسة الديمقراطية تملي طبيعة الطقوس التي قد يُحتفظ بها، والطقوس التي قد تُستحدث، والطقوس التي قد تُحذف. الأساس يكمن في بناء مشروعية مستقبلية، وتحول المؤسسة الملكية من فضاء التحكُّم إلى فضاء التحكيم. والمشروعية المستقبلية تقوم على تلبية انتظارات المحكومين، ومن بينها مطلب الكرامة الذي لا ينفصل عن الشعور بالمواطنة أمام مختلف مستويات الدولة. وفي هذه الحالة، يجتهد النسق السياسي في تفعيل العلاقة بين مسار الدمقرطة وبين الحفاظ على رموز الاستمرارية التاريخية والهوية الجماعية.

* عبد الأحد السبتي: مؤرخ

شارك المقال