منذ إعلان الملك، في خطاب العرش الأخير، عن وضع مخطط عمل مندمج يقوم على الشراكة بين مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات المعنية، لتوفير وسائل تمويل المشاريع التي دعا الملك إلى إنجازها بالجماعات التي تعاني الهشاشة، بدأت الأسئلة تتناسل هنا وهناك، لكن أهمها: كيف ستستطيع الحكومة توفير الـ 50 مليار درهم (5 آلاف مليار سنتيم) الأساسية لتنفيذ هذا المخطط؟
يرى المهتمون أن نجاح واستمرارية البرنامج يعتمدان بشكل أساسي على التمويلات واستدامتها، حيث إنه في سنة 2005 طرح نفس السؤال عند إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
المحلل الاقتصادي عبد الخالق التهامي يعتقد أن توفيرها ممكن، لكن لن يكون في قانون مالي واحد، بل على سنوات متعددة، في أفق 2020 مثلا، معتبرا في اتصاله مع «أخبار اليوم» أن التركيبة المالية لهذا المخطط ربما ستكون مختلفة عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مشددا على أن توفير المبلغ ممكن، من خلال تنويع مصادر جلبه، كميزانية الدولة، وميزانية الجماعات المحلية، والتعاون الدولي..إلخ.
من جانبه، يرى عمر الكتاني، المحلل الاقتصادي والأستاذ الجامعي، أن على الحكومة بذل مجهود إضافي لتوفير هذا المبلغ المهم، وخاصة نهج سياسة التقشف بمفهومها الإيجابي كما طبقت في أوربا، أي ترشيد مصاريف بعض الوزارات التي لازالت تصرف بعضا من ميزانياتها في وجهات لا طائل منها، وأعطى المحلل الاقتصادي مثالا بأحد وزراء هذه الحكومة، الذي نجح في تخفيض نفقات وزارته إلى النصف بعد نهجه لسياسة ترشيد ملائمة، وبالتالي يرى الكتاني أن توفير المبلغ ممكن وليس مستحيلا أمام النفقات الزائدة التي تصرف هنا وهناك، والتي يجب القطع معها.
وأشار المحلل الاقتصادي أن الدولة التزمت بتوفير 50 مليار درهم، لكنها لم تحدد مدة المخطط، وهل الحكومة الحالية هي التي يجب أن توفر المبلغ أم أن البرنامج ممتد إلى حكومات مقبلة، ولم تشر كذلك إلى الكيفية التي ستستقطب بها هذه الأموال، واعتبر الكتاني أن الفقر والهشاشة والبطالة هي نقاط ضعف جميع الحكومات المتعاقبة، لأنه «ليس هناك برنامج محدد في المدة لمحاربة هذه الآفات، هناك فقط سياسات ظرفية»، يضيف المحلل الاقتصادي الذي اعتبر أن الخطاب الملكي سيحرج الحكومات المقبلة، لأنه التزم بغلاف مالي مهم من أجل استهداف أزيد من 12 مليون مواطن يقطنون بأكثر من 24 ألف دوار، لكن الكتاني طرح تساؤلا حول قيمة المبلغ مقابل عدد المستفيدين، حيث اعتبر أن الـ 50 مليار درهم مبلغ ضعيف أمام استفادة 12 مليون شخص، معتقدا أن المبلغ لن يكفي لبرنامج مهم يريد محاربة الفقر والهشاشة لحوالي ثلث الساكنة بالمغرب.
وكان الملك في الخطاب الذي وجهه يوم الخميس المنصرم، بمناسبة الذكرى 16 لاعتلائه العرش، قد أكد أنه «لضمان النجاح لهذا الورش الاجتماعي الطموح، فإننا ندعو الحكومة لوضع مخطط عمل مندمج، يقوم على الشراكة بين مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات المعنية، لتوفير وسائل تمويل المشاريع، وتحديد برمجة مضبوطة لإنجازها»، وذكر الملك أنه تعزيزا للمبادرات التي سبق إطلاقها، تم تكليف وزير الداخلية، بصفته الوصي على الجماعات الترابية، للقيام بدراسة ميدانية شاملة، لتحديد حاجيات كل دوار، وكل منطقة، من البنيات التحتية، والخدمات الاجتماعية الأساسية، شملت كل جهات المملكة، حيث تم تحديد أزيد من 29 ألف دوار في 1272 جماعة، تعاني الخصاص، ثم وضع المناطق والمجالات حسب الأسبقية.
وتابع أنه تمت دراسة حوالي 20,800 مشروع، تستهدف أزيد من 12 مليون مواطن يقطنون بأكثر من 24 ألف دوار، وبميزانية إجمالية تبلغ حوالي 50 مليار درهم.