في ضرورة الاعتراف بالآخر

11 أغسطس 2015 - 21:48

يلاحظ دارسو التاريخ العربي الإسلامي أن السلطة القائمة على القوة والنفوذ والوجاهة هي القيمة المركزية التي تحكم حركة المجتمع العربي في كل المجالات وتوجه سلوك أعضائه، فلا يضحي الإنسان العربي إلا من أجلها وفي سبيل النفوذ والوجاهة والمال، وكل ما يعوق هذه القيمة المحورية يجب خوض الحرب ضده. لقد كان النزاع على السلطة في التاريخ العربي محرك التغيرات السياسية، حيث لم يعرف هذا التاريخ ثورات اجتماعية، وإنما انقلابات ضد هذا الزعيم أو ذاك لاستبداله بزعيم آخر، أو ضد أسرة حاكمة لاستبدالها بأخرى، حيث لا قيمة للمجتمع ولا لأفراده، إذ المهم هم الحاكمون. لذلك لم يشهد التاريخ العربي أي تغيير يصبُّ في مصلحة المجتمع.

وقد ترتب عن ذلك أنه لا مكان في الثقافة العربية لقيم العلم والعمل ولا لفردية الإنسان ولا للمبادرات ولا للمشاريع، إذ يتم تركيز الاهتمام على السلطة والنفوذ. وفيما تعتبر السلطة في البلدان المتقدمة وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، يُعدّ الحُكم في الثقافة العربية هو القيمة المحورية التي تتفرع منها باقي القيم. وهذا ما حال دون بروز الفرد والتحديث والبناء الديمقراطي، فتعمق ضعف المجتمعات العربية الإسلامية، وصارت لقمة مستساغة في أيدي القوى العظمى، ما بدأ يقود إلى تفتيت أوطان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

يقود تأمل ما يجري اليوم في هذه المنطقة إلى الشعور بحزن خانق، إذ أصبحت مجتمعات هذا المجال الثقافي والجغرافي مسلوبة الإرادة، فصارت تسير على كرسي متحرك تدفعه قوى خارجية، وتحولت إلى مجرد أداة لا تبصر ولا تعقل. ويتجلى ذلك في التخريب الذي تتعرضُ له جلُّ هذه البلدان حاليا جرّاء موتها الثقافي، وعدم وعيها بذاتها وتراثها وبالتحولات التاريخية والعلمية التي عرفتها البلدان الديمقراطية التي استطاعت تجاوز عوائقها الذاتية وتشييد صروحها الحضارية.

تدير زعامات بقاع هذه المنطقة أحوالها بدون وعي، بل إنها لا تدرك أنها تجهل ذاتها، وأن الغرب يعرف عنها أكثر مما تعرفه عن نفسها، لأنه استطاع أن ينتج عنها معرفة أنثروبولوجية وسوسيولوجية عميقة مَكنته من فهم كيفية اشتغال عقلها ووجدانها ومناطق هشاشتها القابلة لإحداث شروخ وانشقاقات في صفوفها وتفتيت أوطانها، ما أتاحَ له أن يؤلبَ مكونات البلد الواحد ضد بعضها البعض، واستعداء البلدان على بعضها البعض بمنتهى السهولة.

ويتجلى ضعف وعي زعامات هذه الأقطار في عدم قدرتها على وضع نظام أولويات في معالجة قضاياها، فدخلت في حروب قبلية وطائفية مستمرة إلى أن دمرت بعض أوطانها. فهي لا تدرك أن في السياسة تناقضات أساسية وأخرى ثانوية، وأنه ينبغي امتلاك فكر استراتيجي وطني عقلاني يبادر بحل التناقضات الأساسية ويؤجل التناقضات الثانوية. كما عجزت على امتداد تاريخها عن معرفة كيفية تدبير اختلافاتها بعقلانية وديمقراطية، فسقطت في حروب متتالية، لأنها ظلت متمسكة بما تجاوزه التاريخ وأحداثه، وقطعت معه الاكتشافات العلمية، فلاذت بالذاكرة التاريخية وتشبثت بالانشقاق الأولي الذي حدث في القرن الهجري الأول.

وفي خضم التطورات العديدة التي يعرفها العالم حاليا، التي انطلقت منذ القرن السادس العشر الميلادي، دخلت هذه المنطقة اليومَ في معارك ضارية بين فئات كلها تدين بالإسلام، وهو ما لا يوجد اليوم في أي جهة من باقي جهات المعمور، فانخرطت في صراع دموي داخلي هو مجرد تنويع على إيقاع إرهاب قديم عنيف ودام في التاريخ الإسلامي، ابتدأ منذ القرن الهجري الأول. وهذا ما يستوجب القيام بقطيعة مع تراثنا الطائفي والقبلِي الذي سهل على القوى العظمى الزج بِنَا في حروب داخلية طاحنة.

قد يعترض معترض قائلا: وهل بهدم التراث وحده ستتمكن هذه المنطقة من إعادة بناء نفسها؟ وبأي تراث ثقافي آخر يجب استبدال التراث الحالي؟ وأي وسائل يجب اعتمادها لإعادة بناء الذات؟.

لقد مرت جميع الشعوب خلال تطورها بمراحل شبيهة بما تعرفه هذه المنطقة، ولم تتمكن من التقدم إلا بممارسة قطائع معرفية وسياسية مع تراثها. فقد انطلقت نهضة أوروبا من الثورة على الكنيسة، وعرفت حروبا أهلية طاحنة، لكن الأمر آل إلى بقاء الديانة المسيحية موجودة، وصيانة جميع حقوق المتدينين بالقانون، ما يفيد أن الدعوة إلى القطيعة مع الماضي لا تعني التخلي عنه كليا والضرب به عرض الحائط، فهذا غير واقعي، فضلا عن أنه غير ممكن أصلا.

نحن في حاجة إلى قطيعة معرفية وسياسية مع تاريخنا دون أن نتنكر له. ولأجل ذلك يجب الفصل بين الدين والسلطة، لأن الجمع بينهما يحول دون التفكير والمعرفة، ويؤدي إلى رفض الاختلاف والاعتراف بالآخر، وبالتالي يعوق التطور. فبدون الفصل بين الدين والسلطة، لن تكون هناك ديمقراطية ولا تقدم. كما أن عدم الاعتراف بالآخر هو في الآن نفسه عدم الاعتراف بالذات التي قد تدمر نفسها جراء هذا الجهل.

يرى أرسطو أن «الصديق إنسان هو أنت إلا أنه الشخص غيرك»، أو «الصديق آخر هو أنت إلا أنه غيرك بالشخص»، وقال أبو حاتم السجستاني: «إذا مات لي صديق سقطَ مني عضو»، وقال نيتشه: «إذا أساءَ إليك صديق فقل له إننى أغفر لك جنايتك علي، ولكن هل يسعني أن أغفر لك ما جنيته على نفسك بما فعلت؟». تعكسُ هذه الأمثلة وغيرها حقيقة أن الآخر ليس مجرد طرف نتحاور معه، أو نتفاعل معه، بل هو جزء لا يتجزأ من الذات، ولكي تصل إلى نفسها، لا بد لها من المرور عبر الغير الذي يجب أن يكون مستقلا عنها، وقابعا بداخلها في آن واحد، وأن سعي الذات إلى جعل الغير مرآة ترى فيها (هذه الذات) نفسها هو مجرد وهم.

كاتب

شارك المقال

شارك برأيك

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

التالي