محمد السادس: ملك يخاف عليه شعبه

21/08/2015 - 21:00
محمد السادس: ملك يخاف عليه شعبه

«أنا لا أشبه والدي، وهو كان يعرف أن لدي وجهات نظر أخرى»، يقول الملك محمد السادس عن نفسه في أحد حواراته الصحافية.

الصحافي الفرنسي الذي اشتهر بكتابته عن حياة الملك الراحل الحسن الثاني، جيل بيرو، قال في تقديمه للكتاب الجديد الذي أصدره الصحافي المغربي عمر بروكسي، إن وصول الملك محمد السادس إلى الحكم صاحبته آمال كبيرة للمغاربة، خاصة الشباب الحالمين بالتغيير. بيرو تحدّث عن محمد السادس باعتباره ذلك الشاب المتواضع الخجول الذي لم يكن على ود كبير مع والده الملك الراحل الحسن الثاني. لكن وبمرور السنوات، يقول جيل بيرو في مقدمة الكتاب، تكرّست في مقابل صورة «ملك الفقراء» التي التصقت بالملك في سنوات حكمه الأولى، صور من قبيل ذلك الملك الغني بفعل استمرار تنامي ما اعتبره ثروة ملكية، واستمرّ الدور المركزي للمؤسسة الملكية في المجال السياسي المغربي، رغم التغييرات التي أعقبت ظهور حركة 20 فبراير، حيث بقي الملك، حسب بيرو، متحكما في السلطة التشريعية من خلال ترؤسه المجلس الوزاري، وفي السلطة القضائية من خلال ترؤسه المجلس الأعلى للسلطة القضائية. كما حافظت المراسيم الملكية إلى طقوسها العتيقة في الظهور وتجديد البيعة في حفل مثير ينظم سنويا بمناسبة عيد العرش.

تدريجيا، كشف خليفة الحسن الثاني عن بصماته وأسلوبه الخاص في الحكم وبناء قنوات الاتصال المباشر مع الشعب، فمنذ لحظات حكمه الأولى، التصق وصف «ملك الفقراء» به ليسبق اسمه، وبدا وريث الحسن الثاني منذ أيام ملكه الأولى بشوشا مبتسما ورقيقا قرب جموع «الرعايا»، يبادرهم بالسلام والتحية، وصوره الخاصة وهو يتجول في شوارع أمريكا وأوربا بلباس رياضي، أو وهو يمتطي دراجته المائية في قمة النشوة والمتعة التي تولدها لديه الرياضات المائية، أصبحت تؤثث بيوت المغاربة ومكاتب الشركات. «لقد أولينا عنايتنا، ونحن ولي العهد، للقضايا الاجتماعية التي تهم المواطنين كافة مدنيين أو عسكريين، مع رعاية خاصة للفئات التي تشكو الحرمان أو تعاني القهر»، يقول في أحد خطبه الأولى، مضيفا، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أنه يفضل أن يوصف بكونه ملك كل المغاربة، «الفقراء منهم والأغنياء. لقد شكل العمل الاجتماعي دوما أحد انشغالاتي الرئيسة».

قرب الملك من الشعب يجد له في كلّ مناسبة للفرح أو الحزن فرصة ليتجسّد على أرض الواقع، وهو الأسلوب الذي رافق محمد السادس طيلة سنوات ملكه، معبّرا عن وجه الملك الإنسان، الذي يجد له في كل عام موعدا ليطفو بقوة على الواجهة، ويذكّر بتلك الشحنة الكبيرة من الأمل والتعاطف التي نالها منذ توليه خلافة الحسن الثاني. فعلى مدى السنوات التي قضاها في الحكم، امتدّ عمل الملك إلى قلب المناطق الجبلية والقاحلة وتلك المصابة بلعنات التاريخ. وحمل الموكب الملكي في تحركاته، بالإضافة إلى البرامج الرسمية لمختلف قطاعات الدولة، برامج مؤسسات أخرى، مثل مؤسسة محمد الخامس وبرنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بالإضافة إلى وكالة تنمية الأقاليم الشرقية.

أما الشمال الذي ورثه منكوبا مهمّشا، فبات محور النشاط الملكي مباشرة بعد إطلاقه أشغال بناء ميناء «الناظور غرب المتوسط»، وما أثاره ذلك من ردود فعل غاضبة من داخل مدينة مليلية المحتلة، باعتبار أن المشروع يشكل تهديدا اقتصاديا واستراتيجيا لمكانة الثغر المحتل من طرف الإسبان، ودخل الملك محمد السادس أحد أكبر معاقل التهريب الدولي للمخدرات، وأعطى إشارة انطلاق تحويل بحيرة مارتشيكا من ميناء لرسو الزوارق النفاثة التي تحمل الحشيش نحو أوربا إلى منتجع سياحي بمواصفات عالمية.

أسلوب القرب هذا تجسّد في صورة الملك الرحالة من خلال زياراته الميدانية وطوافه بين جميع جهات ومناطق المغرب وأكثرها تهميشا. أما أحد مظاهر الاختلاف، فكان يتمثل في كيفية تعاطيه مع السياسة الخارجية، وهو ما لخّصته عبارة «تازة قبل غزة» الشهيرة. لكن التقلّبات الدولية والإقليمية، وتزايد الضغوط المتعلقة بملف الصحراء، أعادت تدريجيا محمد السادس إلى الواجهة الدولية، حيث بات العمل الدبلوماسي في السنوات الأخيرة يتصدّر الأجندة الملكية.

شارك المقال