التفت خلفي هذه الأيام وحاولت عبثا استرجاع بعض الصور من أيامي الأولى في تلك المدرسة الخاصة المتواضعة بدرب السلطان. بدل الصور عادت إليّ حواس تلك الأيام التي تبدو الآن نجيمات دقيقة هناك في ذلك الركن البعيد من سماء حياتي. عادت إلى خياشمي الرائحة النفاذة لخشب اللوحة السوداء الصغيرة، ورائحة الورق الناعمة.. عادت إليّ صورة السقف العالي للقسم والسبورة السوداء الشاحبة والهائلة، واللون المبهم للطاولة التي كنت أزاحم فيها رفيقين آخرين.. عاد إلى لساني مذاق «الطباشير» الذي يشبه طعم الرماد. وعاد إليّ بالخصوص ذلك الفزع الذي أخذ يخزني بين الفينة والأخرى منذ سنوات ليست بالقليلة.. ذلك الفزع الذي يشبه شفرة خرافية ترفعها يد خرافية، وتطعنني بها هنا في الكبد بسرعة خرافية أيضا. لما أنتبه إلى أن الحظ فقط، هو الذي رمي بي في ذلك القسم وإلا كنت ربما ضمن الكائنات المغربية التي مازالت سجينة الأمية..
نعم، الحظ فقط، هو الذي جعل تلك المدرسة لا تبعد عن بيتنا سوى ببضعة أمتار، ولا أحتاج للوصول إليها سوى من خلال عبور أي طريق.. فقط، كان علي السير على الرصيف المستقيم إلى أن أبلغ بابها الصغير. والحظ هو، ربما، الذي جعل والدي يقرر قبل أن أولد بقليل أن يأخذ زوجته من تلك القرية النائية هناك في جنوب الأطلس الصغير، ويأتي بها للاستقرار في هذا الحي الشعبي الضاج بالحياة، بكل ما فيها من صخب وعنف، بالدار البيضاء.. ولعل نسبة غير يسيرة من الحظ حالفتني لكي تكون لي مسيرة دراسية كانت عثراتها قليلة جدا.
لولا نسبة من هذا الحظ، الذي رافقني مثل «غيمة تحرس الأرض» كما في حلم الشاعر المغربي عبد العالي الدمياني، لربما كنت واحدا من تلك الملايين العشرة من الكائنات المغربية التي تعاني من الأمية.. لولا نسبة من ذلك الحظ لما كان في وسعي أن أبوح لك الآن بكل هذا، وأقول لك إن الأمية هي ذلك الجدار الفاصل الهائل واللامرئي، الذي يعزل الكائن المغربي ويحول بينه وبين السبيل التي تفضي مبدئيا إلى الفرد الكامل في فردانيته (individualité). والأمية – والحديث هنا عن الألف بائية في عصر أصبح فيه الأمي هو الذي لا يعرف لغة أخرى غير لغة أمه، ولا يعرف التعامل مع الحواسيب وكل تقنياتها، وليس من لا يتقن فك شفرة الحرف- هي التي تجعل الكائن مجرد لبنة صماء جامدة في حائط الجماعة.. مجرد «رأس» في قطيع لا يقوى على العيش خارج ظل الجماعة ويقبل قهرها وظلمها على أنه قدر لا مفر منه.. مجرد عجينة طيعة لينة تشكلها الأيادي كيفما تشاء (فهذه اليد قد تجعل منها آلة انتخابية..والأخرى قد تحولها إلى قنبلة متطرفة متحكم فيها عن بعد… إلخ)
وإذا ما أضفنا إلى تلك العشرة ملايين كائن مغربي (أي ثلث المغاربة الذين يبلغ عددهم حسب آخر إحصاء حوالي 34 مليون نسمة) الذين يعانون من الأمية الألف بائية، عدد كبير آخر من الكائنات التي اضطرت إلى مغادرة مقاعد الدراسة مبكرا أو حتى التي وصلت إلى مستوى دراسي متقدم، ولكن دون تكوين جيد، فلن أجانب واقع الحال إن جازفت وقلت إن أكثر نصف المغاربة يعانون بشكل أو بآخر من الأمية. وهذه إعاقة حركية وذهنية تكاد تشل جزءا مهما من المجتمع المغربي، بينما جزء صغير منه ينعم بتلك «الغيمة التي تحرس» الأرض، وبأشياء أخرى كثيرة، ويبتعد إلى الأمام تاركا هوة مافتئت تزداد عمقا بين أبناء الوطن الواحد الموحد مبدئيا، وهذا بدوره سيعقد مهمة تدبيره. فالأمية كما قال المفكر المغربي عبد الله العروي مرة «تُنافي السياسية بالمعنى الحديث»، أي تدبير الشؤون المشتركة «بمقتضى العقل»، وليس «بمقتضى الهوى»، وفق تعبير عبد الرحمان الكواكبي.
شريط الأخبار
وعكة صحية تُدخل عادل بلحجام غرفة العمليات
أولمبيك الدشيرة يعلن فك الارتباط مع المدرب مراد الراجي بالتراضي
المركز الروسي للعلم والثقافة بالرباط يحتفل بالذكرى81 لانتصار الشعب السوفيتي
القناة الأولى تراهن على الدراما التراثية من خلال سلسلة « بنت_الجنان »
ندوة دولية بالدار البيضاء تضع الهجرة تحت مجهر البحث الأكاديمي
2500 درهم لحضور حفل وائل جسار بالدار البيضاء يثير الجدل
السينما المغربية تستقبل فيلم “التسخسيخة” لسعيد الناصري
عمر بن عيدة يقدّم كتابه حول الجهوية والتنمية الترابية
طنجة: انتشال جثة طفل عمره تسع سنوات لقي مصرعه غرقا في بركة « سد مغاير »
ضحى الرميقي تطرح عملها الجديد « محايني » في فيديو كليب بتقنيات الذكاء الاصطناعي