توفيق بوعشرين: لا سيدتي لم أندم

18/09/2015 - 23:30
توفيق بوعشرين: لا سيدتي لم أندم

كتبت سيدة ، تسمي نفسها حسناء، على موقع «اليوم24» تعليقا على افتتاحية (خلط الأوراق)، التي كانت مخصصة لانتقاد تلاعبات الناخبين الكبار في تحالفات الجهات بغرض إجهاض إرادة الناخبين، تقول فيه «كأني بك بالأمس…تدعو إلى المشاركة في المهزلة الانتخابية! أظنك اليوم فطنت إلى جدوى مقاطعتها…المشاركة مجرد تزيين لقناع متغول تدور في فلكه كل الأحزاب، دون استثناء…كل يستقطب ضحية من مشرب ما».
بلا تردد أقول للسيدة حسناء أنا لم أندم على دعوتي الناخبين إلى المشاركة بكثافة في هذه الانتخابات والتصويت على من يروا أنه الأحق بهذا الصوت نظافة ونزاهة وكفاءة، والذي وقع من مذبحة مريعة لأصوات الناخبين في الجهات يوم الاثنين الماضي، حيث خان الكبار -وما هم بكبار- إرادة الناخبين الذين طردوا «البام» من المدن الكبرى، وإذا بالسماسرة يعيدونهم من نافذة الجهات.
ما وقع من استعمال للمال والضغط والإكراه لإرجاع الوجوه المحروقة إلى منصات الجهات، يزيد العبد الضعيف هذا إيمانا بضرورة المشاركة الكثيفة والفعالة للمواطنين غدا، وللحاجة للضغط من قبل الرأي العام على الحكومة والدولة لتغيير القوانين الانتخابية التي تسمح بهذه المهازل. قوانين تعطي خمس جهات لحزب حصل على 19٪ من مقاعد الجهات، وتعطي جهتين للحزب الذي حصل على 25٪ من هذه المقاعد. قوانين تلتف على إرادة الناخب وتدفعه لليأس من المشاركة في الانتخابات حتى يستفرد بها «الشنّاقة» وأعداء التحول الديمقراطي الذين يكرهون صندوق الاقتراع ويكرهون مفاجآته…
لا تنسي يا سيدتي أن خرق المنهجية الديمقراطية سنة 2003 وتعيين التيكنوقراطي إدريس جطو مكان عبد الرحمان اليوسفي، الذي جاء حزبه الأول في الانتخابات التشريعية لسنة 2003، هذا الخرق للمنهجية الديمقراطية هو الذي دفع المشرع إلى وضع فصل جديد في دستور 2011 يربط وجوبا بين تعيين رئيس الحكومة ونتائج الانتخابات التشريعية، بحيث صار مستحيلا دستوريا تعيين تيكنوقراطي في الحكومة أو رئيس حزب لم يأتِ الأول في الانتخابات. الشيء نفسه سيقع عاجلا أم آجلا في انتخاب رؤساء الجهات ومجالس المدن، إذ سيعطي هذا التلاعب بإرادة الناخبين مفعوله، وسيتم التنصيص مستقبلا على أن رئيس الجهة أو رئيس المجلس البلدي يجب أن يكون حاصلا على أغلبية المقاعد، أو أن يأتي حزبه في مقدمة نتائج الاقتراع حتى نسد الباب على السمسرة، التي تسيئ إلى نظافة الاقتراع، وتشوه إرادة الأمة..
السيدة حسناء ليس العيب في المشاركة الانتخابية، لكن العيب في اللاعبين الذين لا يحترمون قواعد اللعبة. العيب في أحزاب تحولت إلى أدوات لضرب التحول الديمقراطي، مع العلم أن أدبيات العلوم السياسية تُعرّف الديمقراطية بكونها دولة الأحزاب. العيب في حزب الجرار الذي لم يتخلص من عقدة الولادة، ويريد أن يبرهن للدولة العميقة أنه حزب مفيد وصالح، لأنه يشكل حاجزا أمام المد الديمقراطي، وأن كل الأحزاب الأخرى غير قادرة على توقيف بنكيران عند حده. ماذا كان يضير حزبا لم يكمل ست سنوات من عمره أن يقبل بقانون النمو والتطور الطبيعي بدون «دوباج» ولا أعيان ولا مال ولا ضغوط على الناخبين وعلى الأحزاب الأخرى؟
ماذا كان يضير «البام» أن يترك حزب التجمع الوطني للأحرار يتصرف كحزب في الأغلبية لا حزبا (مسخرا) عند المعارضة؟ ماذا كان سيقع في ملك الله لو حصل الجرار على جهتين، والعدالة والتنمية على ثلاث جهات، والأحرار على ثلاث جهات، والحركة والتقدم على جهة لكل واحد منهما؟ أليس هذا هو المنطق الطبيعي للأشياء رغم كل ما حصل في البوادي من مهازل يوم 4 شتنبر…
مشكلة «البام» أنه حزب له زبون واحد وله هدف واحد، ولهذا لا يستطيع أن يتأقلم مع قواعد اللعبة الديمقراطية. زبونه الأول هو المخزن، ولهذا لا يفكر إلا في إرضائه وبكل الوسائل. وهدفه الوحيد هو التحكم في الحقل السياسي اليوم، بمناوءة «البي جي دي»، وغدا بمناوءة أي طرف سيختاره الناس ليمثل حلمهم بالتغيير، ولهذا (يكبر الحزب كرشه) ويستعين بكل الوسائل لتحقيق هذا الهدف، لأنه يعيش على هاجس يومي وخوف مستمر من أن يتخلى المخزن عن خدماته….
هذه هي القصة ببساطة، وبدون مكياج ولا خوف من قول الحقيقة. لهذا، الحل هو المزيد من المشاركة السياسية الواعية، والمزيد من تشجيع الأحزاب الطبيعية المستقلة والنابعة من تربة هذه البلاد. لقد سعدت جدا بحصول قائمة فدرالية اليسار في الرباط بقيادة عمر بلفريج على تسعة مقاعد في مقاطعة أكدال الرياض، واحتلالها المرتبة الثانية، متقدمة على «البام» الذي احتل المرتبة الثالثة.
كان هذا التصويت تعبيرا أمينا على ميلاد تصويت سياسي جديد، وعلى الحاجة في المغرب اليوم إلى يسار حقيقي بمشروع حداثي ديمقراطي مستقل عن السلطة، وليس اليسار الملفوف في ثياب السلطوية والحداثة المتدثرة في ملحفة التقليدانية..

شارك المقال