صلاة القائد!

30/09/2015 - 02:58
صلاة القائد!

انتظر حتى انتهى صَدِيقه المُسْلِم من أداء الصَّلاة بعد ليلة ماجنة صاخبة قضياها بإحدى دور القمار، ثم قال له:
ـ ما أروع الإسلام، أريد أن أعتنقه!
وعندما سمع إمام المسجد ينهاه عن إتيان الزنا وشرب الخمر ولعب الميسر انتفض أمامه غاضبا:
ـ لا. لا أريد هذا النوع من الإسلام. أريد النموذج الذي عليه صديقي!! وغادر المكان!
وقد حج أحدهم ـ في الزمن الغابر ـ بأفراد قبيلته، وبعد أداء مناسك الحج، قطع بهم زهاء مائة كيلومتر على الأرجل والدّواب، ثم اختفى بإحدى الشعاب وخرج إليهم وهو يقول:
ـ اسمعوا. في هذا المكان أخذ النبي «ص» قسطا من الراحة، وتيمنا بسنته، على من أراد الثواب والأجر أن يَقْضي حاجته هُنَا، فانْهَارُوا على بعضهم البعض من شدة التعب وهول الصدمة!!
رجحت كفة إسلام الشكل على إسلام الموضوع، مِنّا طائفة تلهو كَمَا تشاء، ثم تمحو سبورة آثامها السوداء بسجادة الصلاة البيضاء، وطائفة أقامت بينها وبين الاجتهاد الفقهي جدارا سميكا، فحجبت عنها الرؤية وبعد النظر!
لم نستفد مطلقا من ماضينا، لمّا يسَّرَ الرسول الأمين على الناس دينهم ودنياهم، لمّا عطّل الخليفة عمر بن الخطاب حدّ السرقة وفيه نص قَطْعِيُّ الثُبْوتِ والدَّلاَلَةِ، ومشينا مشية مالك الحزين.
لم نَصْنَعْ سيارة ولا تلفازا، وَلَمْ نُسَاهِمْ في عالم التكنولوجيا إلاّ كمستهلكين بَهَالِيل: نَقُودُ الجمل ونضع على آذاننا هاتفا محمولا، وننقل تكنولوجيا الأسواق الأمريكية والأوروبية والآسْيَوية إلى عوالمنا المتخلفة، ولا ندرك أبدا أن بين المُتَسَوِّقِ وسوقه المركزي انسجام تام، ولا علاقة لِلْبَنِي آدم عندنا بالتكنولوجيا التي يسرقها!!
وتعطلت عندنا ملكة العقل وبعد النظر، وهي لبنة الإسلام وسدَاهُ، فعندما أرى رافعة تنهال بثقلها على آلاف الحجيج، ثم أرى تزاحما غير مسبوق لأداء مناسك الحج في ظروف غير ملائمة تماما ونتوقع كلنا النتيجة، أسأل نفسي: لو أن الله عز وجل كتب للصينيين أن تُؤَدَّى مناسك الحج ببلادهم، لنْ أستغرب إذا أدّى حجاجها الفريضة بالأزرار عن بعد، ولن استغرب أن تنتهي العملية كلها في ساعة زمنية واحدة بالتمام والكمال، ولن أستغرب أنْ يشعر الحاج الصيني بالراحة والطمأنينة، لا أن يعود جريحا أو لا يعود مطلقا، هم اجتهدوا في صناعة لوازم الحج سلعا رخيصة الثمن، فماذا لو كانوا هم أصحابه!
أمّا نحن، فبداعي التشبث المتزمت الغائب عن الوعي بالترهات والأباطيل، واقتداء بفتاوى حجا نقذف في روع الناس أن بين التكنولوجيا وسعادة الإنسان سد منيع!
لا. ليس في ما نَعْتَبِرُهُ تطبيقا سليما للدين، صَرْفُ النظر عن تكنولوجيا العصر في جميع مناحي الحياة. الرموز الدينية التي أشار إليها الإسلام خرجت عن دواليبها وضاعت أهدافها: فلا عيد الأضحى أدى رسالته، ولا الزكاة أتت أكلها، وظهر عِنْدَنَا الحج السياحي والتجاري، ونجحت الأبناك في استقطاب الزُّبَنَاءِ عبر الاقتراع لأداء فريضة الحج والعمرة، ودفع الأحباب والأصحاب بذويهم من الموظفين للاستفادة من الحج من مال الدولة وهلم جرا!
في منظر مقرف جدا، يعترض سبيل السيارات بالطريق العام، عجزةٌ بلباس رَثّ موحد، وضعوا لائحة على صدورهم كتب عليها: «ساعدوا في بناء مسجد»، بينما يزعج مكبر الصوت المارة بِكَلام غير مفهوم.
لا أحد من جهة الاختصاص تدخل لمنع هذا الذي أرى، فالمساجد لا يتسول الناس لبنائها، هناك مساطر معمول بها في الدولة الحديثة لتلبية حاجيات السكان، فَلوْ همس أَجْنَبِي بكل لغات العالم متسائلا: ماذا هذا؟ ووقف على الحقيقة. لا شك أنه سَيضربُ كَفًّا بكف، هل تُبْنَي الكنائس في بلادهم بالتسول؟ لا. أبداً!
في مأثورنا الشعبي مثل شائع: «صَلاةْ القياد..الجمعة والأعياد»، ولعل ما نرى وَنُعَاينُ لا يخرج ـ أبدا ـ عن هذه الحكاية!

رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين
Fmjc.maroc@gmail.com

شارك المقال