توفيق بوعشرين: قراءة سريعة في مشروع القانون المالي 

16/10/2015 - 22:55
توفيق بوعشرين: قراءة سريعة في مشروع القانون المالي 

وضعت الحكومة آخر مشروع قانون مالي لها قبل نهاية ولايتها في السنة المقبلة. انتظارات كثيرة موضوعة على هذا القانون المالي، سواء من قبل الفقراء أو الأغنياء أو الطبقات الوسطى… لنبدأ بالشباب العاطل أو المعطل، الحاصلين على شهادات جامعية، والذين ينتظر جلهم مناصب مالية في الإدارة، ولا يرغبون في خوض مغامرة البحث عن عمل في القطاع الخاص لأسباب ثقافية ونفسية أكثر من أي شيء آخر.. هؤلاء لم يعطهم بنكيران سوى 26 ألف منصب شغل في مشروع القانون المالي للسنة المقبلة في الإدارة، لكنه أعطاهم أهم من مناصب الشغل.. منحهم فرصة لولوج سوق الشغل عن طريق منحة رمزية (1000 درهم في الشهر) لقضاء فترة تدريب وإعادة تأهيل مناسب لولوج سوق الشغل الذي لا يلائم في الغالب شواهدهم ومهاراتهم.

إضافة إلى هذا، أقر مشروع القانون المالي تحفيزات مالية وضريبية للمقاولات لتوظيف أكبر عدد من الشبان، حيث إن كل مقاولة أدمجت شابا في نسيجها تعفى من أداء مستحقات هذا الأجير في الضمان الاجتماعي، وتعفى من أداء الضريبة على دخله الشهري، وتتكفل الدولة بتدريبه وتأهيله لمدة سنتين، كما تعطى المقاولة إمكانية التخلي عن ثلثي هؤلاء الشباب الذين سيدخلون إلى المقاولة من هذا الباب إن رغبوا في ذلك، وهذا فيه تحفيز لرب العمل على تقوية التشغيل والهروب من قانون الشغل الذي يعتبر أكبر عائق أمام التشغيل في المغرب، لأنه ينشئ زواجا كاثوليكيا بين المقاولة والأجير بغض النظر على ظروف الأولى ومؤهلات الثاني، فكل أجير أمضى ستة أشهر في مقاولة يصعب فك الارتباط به إلا بحكم قضائي يكلف المقاولة الكثير من التعويضات، وهذا ما يجعل الكثير من أرباب العمل يحجمون عن التوظيف مخافة السقوط في نزاعات مع العمال ونقاباتهم التي تتصرف، في بعض الأحيان، بشراسة وعدوانية تهدد المقاولة والعامل ورزق الجميع… الدولة زادت من ميزانية الاستثمار السنة المقبلة، وهذا معناه أن المقاولة ستشتغل في انتظار وضع آليات لقياس مردودية الاستثمار العمومي على النمو والتقدم وعائدات الضرائب وتحسين ظروف عيش السكان. نحن بلاد تصرف أكثر من 189 مليار درهم على الاستثمار العمومي، ولا نقيم عائدات هذا الاستثمار!
هذه كلها تحفيزات لعلاج مرض قائم يستفحل كل يوم مادام التعليم لم يجرِ إصلاحه، ومادام النسيج الاقتصادي لم تجر تقويته، حيث يعتمد على القطاعات التي تحمل قيمة مضافة كبيرة، وتخلق مناصب شغل عديدة مثل التصنيع.
نقرأ في ما تسرب من القانون المالي إجراءات مهمة لصحة المالية العمومية، مثل تقليص مصاريف الإدارة التي تتصرف في بلادنا وكأن المغرب دولة خليجية نفطية تغرف من بحر لا ينفد منه المال. بتعهد بنكيران «بتزيير السمطة» على بطن الإدارة، وتقليص نفقات التسيير بحوالي 10 مليارات درهم. وضع بنكيران، أيضا، حصته من إصلاح صناديق التقاعد، تبلغ حوالي ستة مليارات درهم، في مشروع القانون المالي، وهذا معناه أن إصلاح هذه الصناديق المهددة بالإفلاس أمر أصبح محققا السنة المقبلة، بعد أن تخلت الحكومة عن البحث عن توافق غير موجود مع الفرقاء الاجتماعيين (النقابات لا تمثل إلا نسبة قليلة من العمال، وفوق هذا لا تمثل المتقاعدين بل العاملين فقط، كما أنها لا تمثل كل الشعب الذي يحاسب في النهاية الحكومة وليس النقابات، لهذا يجب ألا ننفخ أكثر من اللازم في موضوع التوافق مع النقابات).
سيرتفع عدد الطلبة الممنوحين السنة المقبلة بحوالي 30 ألفا، والحكومة ستوجه سبعة ملايير درهم إلى برنامج النهوض بالعالم القروي الذي تحدث عنه الملك في خطاب العرش، وستصير للأطفال المعاقين منحة من صندوق التكافل الاجتماعي، كما وعد بنكيران الأسبوع الماضي، مساهمة من الدولة في تخفيف العبء عن ذوي الاحتياجات الخاصة.
هذا هو نصف الكأس المملوء في هذا المشروع الذي جاء ببعض الإجراءات الإيجابية ذات الطابع الاجتماعي، في انتظار سنة فلاحية جيدة، وبقاء أسعار النفط على حالها، وتحسن المناخ الاستثماري داخليا وخارجيا…
هناك نقطتان يجب الاهتمام بهما في البرلمان أثناء مناقشة مشروع القانون هذا: الأولى هي أموال الدولة والجماعات غير المحصلة، وهي بملايير الدراهم (التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات تحدث عن 40 مليار درهم متأخرات التحصيل لديون الدولة فقط، دون احتساب ديون الجماعات المحلية وغرامات القضاء ضد الأفراد والشركات، والتي لا تحصل… جهاز التحصيل (الخزينة العامة وإدارة الضرائب) جهاز عتيق ومترهل وغير كفء، ولا يستطيع أن يحصل حقوق الدولة ولهذا يجب القيام بثورة في وزارة المالية لإصلاح هذا العطب الذي يزداد يوما بعد آخر. لا يعقل أن تترك الدولة مليارات الدراهم ضائعة في المغرب، وتتجه إلى الخارج للاقتراض بفوائد تكلف ميزانية الدولة الكثير الكثير…
النقطة الثانية الغائبة في هذا القانون المالي والقوانين السابقة هي: رصد ميزانية كافية لتنفيذ الأحكام القضائية النهائية، وجلها يتعلق بنزع ملكية الأفراد. كل سنة يحكم القضاء على الإدارة بآلاف الأحكام وملايير التعويضات لصالح المواطنين المتضررين من قرارات الإدارة، وفي مقدمتها نزع الملكية، والدولة لا تنفذ هذه الأحكام، وتتركها تتقادم في الرفوف بدعوى غياب الإمكانات. إذا كانت الإدارة عاجزة عن تعويض الناس عن حقوقهم فلماذا تمد يدها إليها؟ هذا أمر غير دستوري أولا، ويمس سمعة القضاء ثانيا، ويخلف ماسيَ اجتماعية ثالثا، فاحترموا دولة الحق والقانون، وأعطوا الناس حقوقهم.

شارك المقال