بروفايل:الربيعي.. ابن البرنوصي الذي أهدى المغرب بطولة العالم

17/10/2015 - 20:15
بروفايل:الربيعي.. ابن البرنوصي الذي أهدى المغرب بطولة العالم

عندما رجع محمد الربيعي، بطل العالم في رياضة الملاكمة، إلى مقر إقامة البعثة المغربية لـ»مونديال الدوحة»، حوالي الثانية من صباح يوم أول أمس الخميس، ليجهز نفسه للرحيل، ساعتين بعد ذلك، من قطر إلى المغرب، طلب منه شاب مغربي، يقيم في دبي الإماراتية، صورة تجمعهما، ويحتفظ بها ذكرى طيبة لبطل كبير شرف المغرب والمغاربة عبر العالم، فابتسم له، رغم كل التعب، كعلامة على الموافقة.
ما حدث بعد تلك الابتسامة الجميلة أن الهاتف الذكي للشاب المغربي المقيم بدبي رفض الاستجابة في ثلاث محاولات للحصول على صورة البطل العالمي، المتوج توا بذهبية «مونديال الدوحة»، ليقول الربيعي بهدوء لصحافيين مغربيين كانا برفقته:»لو لم أكن مرتبطا بموعد الطائرة، لانتظرت مزيدا من الوقت إلى أن يشحن بطارية هاتفه، ويحصل على الصورة».
ذلك الهدوء، بالضبط، هو الذي كان سلاح الربيعي طيلة أيام البطولة العالمية للملاكمة في الدوحة، وانتهت بتتويجه بطلا للعالم في وزن 69 كيلوغراما، في سابقة مغربية دخلت التاريخ من أوسع الأبواب، ذلك أنه، وإن لم يذق طعم النوم إلا لماما، بسبب إحساسه بالضغط الكبير لجسامة المسؤولية الملقاة عليه، كما أنه لم يذق طعم الأكل طيلة يوم النهائي، فقد بدا واثق الخطوة وهو يخوض النزال الأخير، كأنما جاء لتوه من رحلة سياحية في قرية جبلية.
ولم يكن هدوء الربيعي ذاك طارئا عليه، بل إنه الميزة التي عرف بها منذ صباه، حين جاء سنة 2002 إلى نادي شباب البرنوصي، بالحي الذي شهد ميلاده سنة 1993 بمدينة الدار البيضاء، لأسرة متواضعة، ربها رجل أمن، كي يتعاطى رياضة الملاكمة على يد الحاج الحرفي الغزواني، أحد أبرز وأقدم مؤطري رياضيي الفن النبيل في المغرب.
يقول عنه مدربه الأول، ومعلمه، الحاج الحرفي الغزواني: «هذا الشاب، الذي توج بطلا للعالم، كان منذورا للألقاب الكبيرة. حين جاء به والده إلى نادي شباب البرنوصي أول مرة، حاولت ما أمكنني أن أحافظ عليه، «كنت كنحميه، مشي غير بوحدو، هو والوليدات اللي فسنو»، حتى يصبح قادرا على حماية نفسه، وحتى لا تجعله قساوة التداريب والمنافسة يمل، وبالتالي يمضي بعيدا».
ولأنه كان هادئا باستمرار، يتضح ذلك من رغبته المثيرة في التعلم، ومواظبته على التداريب، وإنصاته الجيد للمدربين، فقد عرف الحاج الحرفي أنه «غادي تكون منو الكاينة» في الملاكمة، وراح يهيئه للبطولات، لاسيما وقد بات يأتي بمفرده إلى القاعة، بعد أن كان يصحبه والده من «درب الصافي»، وينتظر نهاية التداريب في مقهى قريب، ليفوز بأول لقب له سنة 2008، وكان ممكنا أن يتوج قبل ذلك، لولا أن القائمين على بطولة وطنية رفضوا إدماجه ضمن المتنافسين، آخذين بعين الاعتبار أنه لا يزال بحاجة إلى عدة أشهر كي يصل السن القانونية للتنافس.
ولأن لكل موهوب مثلا أعلى، فقد كان محمد الربيعي مولعا بالملاكم رونيير إغليسياس ستالونغو، الذي ظل يكرر مشاهدة نزالاته في موقع يوتوب، متأسيا به في وقفته، وتحركاته، وخفة لكماته، إلى أن جاء يوم وجده أمامه على حلبة الملاكمة، يقول في برنامج إذاعي استضافه سابقا: «كنت معجبا به منذ صغري، وتابعته كثيرا على يوتوب. ففي سنة 2008، كنت فائزا بلقب البطولة لأول مرة، وأعجبت به كثيرا، هو وزنه 64، وأنا 60. ظلت تروقني طريقته في الأداء. وفي 2010، صرت في وزنه وأنا في فئة الشبان، إلى أن فوجئت وأنا أقابله في كأس محمد السادس الدولية بالمغرب، حيث شاهدته عن كثب لأول مرة. نعم، خسرت المباراة التي شهدت مستوى متقاربا لكلينا، لكنني قلت لنفسي إنها البداية».
وكم كان الهدوء سلاحا ضروريا للربيعي وهو ينادى عليه إلى المنتخب الوطني، ليبدأ تداريب قاسية جدا، تحت قيادة المدرب الكوبي داغوبيرطو روخاس سكوت، إذ ساعده صبره على تخطي أسبوع أول صعب جدا، بتمارين شهدت إضافة مسافة زمنية لكل تدريب، فضلا عن النزالات، إلى أن اكتسب قوة أكبر، خصوصا وهو يتسلح بمواجهات مع أبطال أجانب في معسكرات خارجية هيأتها الجامعة، ليصل إلى بطولة العالم بمراس كبير، وعينه على اللقب الذهبي.
وكان طبيعيا جدا أن يتخلى الربيعي عن كامل هدوئه والحكم يرفع يديه عاليا معلنا تفوقه، في النزال الأخير لبطولة العالم، على غريمه الكازاخستاني دانيار يليسنوف، المصنف رقم واحد عالميا، إذ ترك لرغبته الطفولية في الاحتفال كامل حريتها، وراح يقفز من مكان إلى آخر بفعل الفرحة العفوية، محييا كل من ساندوه إلى أن نال أفضل إنجاز في تاريخ المشاركات المغربية في بطولة العالم للملاكمة.
في يوم من الأيام، قال محمد الربيعي، في تصريح صحافي، إنه عانى كثيرا في بداياته كي يوفر مستلزمات التداريب، ولولا أن والديه ساعداه كي يواصلها، لما تسنى له أن يمضي بعيدا. أما اليوم، وهو يحظى برعاية خاصة من ناديه شباب البرنوصي، ومن الجامعة، ومن كل المغاربة، بدعواتهم، فإنه يرفع عينيه نحو أولمبياد ريو ديجانيرو، الذي تأهل له بجدارة، راجيا أن يعيد إلى الأذهان إنجازات الشقيقين عبد الحق ومحمد عشيق، مبتسما بثقة، ومعولا على هدوئه الذي أوصله إلى القمة.

شارك المقال