يبدو أن سوق السكن الاجتماعي يعرف أزمة بالمغرب، فبعد تراجع الإنتاج خلال السنتين الماضيتين، استمر هذا التقهقر خلال سنة 2015، وسجلت إحصائيات وزارة السكنى تراجعا بأكثر من 40 في المائة خلال الثمانية أشهر الأولى من السنة.
فما بين يناير وغشت المنصرمين لم يستطع سوى 21,7 ألف سكن اجتماعي من الحصول على شهادة المطابقة، في حين وصل هذا الرقم، خلال السنة الماضية 2014، إلى حوالي 39 ألف مسكن، وفي 2013 استقر في 53 ألف مسكن، وهو ما يسجل تقهقرا بـ 60 في المائة.
هذا التراجع دفع بوزارة السكنى إلى إطلاق دراسة ميدانية مؤخرا لاكتشاف مكامن الخلل في هذا التقهقر الكبير لمنتوج كان وإلى عهد قريب يُباع قبل البدء في بنائه، وبحسب أسبوعية «لافي إيكو» التي أوردت الخبر في آخر عدد لها، فإن وزارة بنعبد الله اكتشفت، من خلال تقارير مسؤوليها، أن تقهقر برنامج السكن الاجتماعي في المغرب مرده تفوق العرض على الطلب في هذا النوع من السكن، وفي العديد من المدن، وهو ما جعل المنعشين العقاريين يقلصون من الإنتاج بصفة أوتوماتيكية.
في المقابل، ترى الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين، أن الأمر يتعلق بقرار للمنعشين الكبار، مثل الضحى وأليانس، بالتخفيف من إنتاج هذا النوع من السكن في إطار برنامجهم لإعادة هيكلة شركاتهم التي عرفت أزمات متتالية في السنين الأخيرة، وعلى سبيل المثال، قررت مجموعة الضحى إنتاج 12 ألف مسكنا اجتماعيا سنويا إلى غاية سنة 2017، بدل 25 ألف مسكن التي كانت تنتجها سنويا في السنين الماضية، وإذا كان هذا قرار الشركات العقارية الكبرى، فإن شركات أخرى متوسطة وصغيرة انتهجت الأسلوب ذاته في تقليص إنتاجها من السكن الاجتماعي، يضيف مسؤولو الفيدرالية.
وأمام هذه الوضعية، يعمد بعض المستثمرين إلى إغراء الزبائن بمنتجات للسكن الاجتماعي في حلة جديدة، تتمثل في الرفع من مساحة الشقق إلى 70 مترا بدل الـ 50 مترا المتعارف عليها، وفي بعض الحالات إضافة المصاعد في البنايات وكذا المسابح، كما أن بعض المنعشين بدؤوا يسوقون لشقق السكن الاجتماعي بسعر يقل عن 25 مليون سنتيم المحددة من قبل الحكومة.
وكان خبراء وفاعلون وأساتذة جامعيون قد أكدوا مؤخرا، خلال لقاء دراسي نظم بالرباط، أن السكن الاجتماعي بالمغرب مرتفع التكلفة ، وجودته متدنية، ويهدد بإشكالات اجتماعية خطيرة، واعتبروه «بمثابة فواتير مؤجلة»، مشيرين إلى تموقع مشاريع السكن الاجتماعي في الغالب بضواحي المدن، مما يثير إشكال النقل العمومي والخدمات الأساسية المواكبة.
وناقش المشاركون في اليوم الدراسي الذي نظمته مدرسة الحكامة والاقتصاد بالرباط، بشراكة مع المعهد الوطني للتهيئة والتعمير حول: «إدارة المجال، التحضر والحكامة في سياقات ناشئة»، المآلات الاجتماعية للسكن الاجتماعي، وسياسة الاستدامة المعتمدة لحل قضية الإسكان بالنسبة إلى الطبقات الفقيرة، ودور السياسة المعتمدة في الحفاظ على السلم الاجتماعي في بعض المناطق، مشيرين إلى خلق الإحباط في شريحة واسعة من السكان بما في ذلك سكان الأحياء الفقيرة، وغير الفقراء الذين ليس لديهم القدرة للولوج إلى السكن.
وفي مقاربة تحليلية للكلفة الاقتصادية للسكن الاجتماعي، قال إدريس الفينة، أستاذ الاقتصاد بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، إن سياسة السكن الاجتماعي تفتقر إلى تخطيط وطني يراعي الحاجيات الحقيقية في مجال السكن، وأضاف أن السكن الاجتماعي ساهم في تعزيز المنعشين العقاريين الجدد، وانتقد المتحدث غياب الجماعات المحلية عن تدبير هذا الملف، موضحا أن السكن الاجتماعي في عمقه «منتوج قرب»، وأن الجماعات المحلية يجب أن تكون فاعلا أساسيا في تطويره وفي تحديد الخصاص، وتوجيه العرض العام. كما انتقد تمركز 70 في المائة من عرض السكن الاجتماعي في أربع مدن ذات قدرة شرائية مرتفعة، وغياب مراقبة هوامش الربح في السكن الاجتماعي.