توفيق بوعشرين: الطائرة الحكومية 

28/10/2015 - 22:34
توفيق بوعشرين: الطائرة الحكومية 

رسم الحبيب المالكي، الرجل الثاني في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، صورة سوداء عن مشروع القانون المالي للسنة المقبلة، ولأنه تحدث في البرلمان كسياسي في المعارضة وليس كاقتصادي في الجامعة، فإنه لم ير أي نقطة ضوء في الحصيلة الاقتصادية لحكومة بنكيران، لكن في الكلام الكثير غير المهم الذي قاله أمس قال بعض الكلام الذي أراه مهما.. قال: «نتمنى على الله ألا تكمل هذه الحكومة هذه السنة.. إنها مثل طالب راسب في العلوم الاقتصادية يجب أن يغادر الفصل».
أرى أن فكرة مغادرة بنكيران فصل الحكومة جيدة لأسباب أخرى لا تتعلق بتحليلات وحسابات السي الحبيب. ماذا لو قررت الحكومة من تلقاء نفسها إنهاء عمرها قبل الوقت القانوني، والذهاب إلى صناديق الاقتراع أشهرا قبل نهاية الولاية الحكومية، لأن «الثقة لم تعد قائمة بين أعضائها»، هذا أولا، ولأن وزراء هذه الحكومة يعزفون ألحانا متناقضة، وثالثا لأن الائتلاف الحكومي لا يوجد إلا على الورق..

فقد رأينا، إبان الانتخابات الجماعية والجهوية وتشكيل المكاتب وانتخابات رئاسة مجلس المستشارين، أن حكاية الائتلاف الحكومي إشاعة كبيرة لا يصدقها إلا بنكيران، الذي فشل في إقناع حلفائه بالالتزام بالتصويت لمرشح الأغلبية… الجميع يعرف أن حزب التجمع الوطني للأحرار ملحقة حزبية للجرار، وأن قرار حزب الحركة الشعبية في أيدٍ أخرى، وأن العنصر قلبه مع بنكيران لكن عقله في مكان آخر، هل أضيف مبررات أخرى للذهاب إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها؟ نعم، مازال عندنا مبرر مهم وهو أن العوامل كلها والمؤشرات جميعها تقول إن الحكومة مقبلة على هزات داخلية كبيرة، وإن حكاية المادة 30 من القانون المالي، التي هربت لبنكيران من تحت الباب، ليست إلا البداية لسنة مضطربة ستعيشها الحكومة التي لا يريد خصومها لها أي استقرار أو راحة حتى لا تكمل الإصلاحات الكبيرة الموجودة على الطاولة، وحتى لا تتقدم للناخب بحصيلة يمكن الدفاع عنها.

إذن، عِوَض أن يستمر بنكيران في قيادة طائرة يتعارك ركابها في السماء، ويهدد بعضهم بتفجيرها من الداخل، فيما ينازع آخرون في أحقية الربان على الجلوس على مقعد القيادة، من الأفضل أن تنزل الطائرة الحكومية في أقرب مطار ضمانا لسلامتها وسلامة البلاد، فالجميع يتوقع حدوث اهتزازات كبرى هذه السنة داخل البيت الحكومي لأن خطة إسقاط الحكومة من الخارج فشلت، ولم تعد هناك سوى ورقة شل حركة الحكومة من الداخل، وهذه مهمة يتقنها بعض حلفاء بنكيران، وإذا لم يصدق السيد رئيس الحكومة هذه الحكاية فما عليه إلا أن يرفع سماعة الهاتف ويتصل بالسيد عباس الفاسي، ويسأله عن المحن التي مر بها في الأشهر الأخيرة من عمر حكومته، وكيف أن لاعب الباسكيط، الرفيق صلاح الدين مزوار الذي كان يشغل وزارة المالية آنذاك، تمرد على رئيسه، ولم يعد يستقبل حتى مكالماته، وقبل أن تنهي حكومة الفاسي مهمتها قفز مزوار بخفة عجيبة من الخندق الحكومي إلى جبهة المعارضة، والتحف بغطاء G8، وبقية الحكاية معروفة.
يقول المغاربة: «الوجه المشروك عمرو ما كيتنقى»، لهذا فإن الحكومات الائتلافية في المغرب عادة سيئة لن تسمح لأي جهاز تنفيذي بالاشتغال بفعالية وانسجام ودون مشاكل بين الأحزاب المتناقضة والمخترقة. في كل الدنيا تعتبر الحكومات الائتلافية استثناء إلا في المغرب، فالحكومات الائتلافية أصبحت من ثوابت النظام السياسي منذ الاستقلال إلى اليوم. ولكي يجري تثبيت هذه الحكومات الائتلافية الهشة، فإن وزارة الداخلية تضع نظاما انتخابيا خاصا لا يعطي أغلبية واضحة لأحد ولا معارضة واضحة لأحد، كل هذا حتى تبقى الحكومات تحت رحمة الدولة العميقة، التي تعتبر الأحزاب قطاعا عاما يجب أن يبقى تحت الوصاية، وحتى لا تختل لعبة التوازنات بين الأحزاب.
ألاعيب النظام الانتخابي الذي يبلقن المشهد الحزبي كانت مفهومة في وقت كانت علاقات الأحزاب بالقصر متوترة، وكان النظام يرى أن قوته من ضعف الأحزاب، لكن اليوم انتفت هذه الاعتبارات، وأصبحت سلامة النظام مرتبطة بسلامة وقوة الأحزاب والحكومات التي تساهم في الاستقرار، وفي ضمان تناوب سلس على السلطة، وقدرة على تأطير المواطنين، وحمل مطالبهم إلى داخل علبة القرار الرسمي مخافة تفجير هذه المطالب في الشارع المفتوح على احتمالات لا يتحكم فيها أحد. يقول المثل الإفريقي: «نمر أمامك خير من ذئب وراءك».

شارك المقال