توفيق بوعشرين : رسائل ملكية إلى الاتحاديين

02 نوفمبر 2015 - 23:25

بدت المكتبة الوطنية بالرباط، مساء الجمعة الماضية، غاصة بثلاثة أجيال من الاتحاديين وعموم اليساريين، جاؤوا لحضور فعاليات ندوة كبيرة أشرف عليها عبد الرحمان اليوسفي شخصيا، لتخليد نصف قرن على اختطاف المهدي بنبركة. حتى في هذا اللقاء المفعم بالدلالات السياسية لم يكسر الاتحاديون قاعدة أن الموت هو ما يجمعهم وليس الحياة، وأنهم لا يلتقون، بكل أطيافهم القديمة والجديدة، إلا في المقابر وبيوت العزاء. هذه المرة أيضا التقوا في ذكرى اختطاف رمز من رموزهم. ولأن الراحل بدون قبر ولا شهادة وفاة، فإن الاتحاديين القدماء والجدد التقوا في قاعة كبيرة في المكتبة الوطنية ليجددوا الطلب القديم/الجديد: قبر وشهادة وفاة واعتراف بالحقيقة واعتذار للعائلة الصغيرة والكبيرة.
لم يخرج الاتحاديون ذلك المساء بيد فارغة.. خرجوا وفي حوزتهم نصف حقيقة ونصف اعتراف ونصف اعتذار ونصف تكريم للزعيم الكبير المهدي بنبركة. الرسالة الملكية إلى اللقاء التأبيني الكبير حملت ما يشبه هذه المعاني، فيما بقي النصف الآخر معلقا إلى أجل لا يعرف أحد إن كان قريبا أو بعيدا. يقول الملك محمد السادس في رسالته إلى اليوسفي وأصدقائه: «لقد حرصنا على مشاركتكم هذا الحدث، دون عقد أو مركب نقص من هذه القضية، تقديرا لمكانة المهدي بنبركة لدينا ولدى المغاربة، فبنبركة كان رجل سلم قريبا من العائلة الملكية.. وكيفما كان الحال، فبنبركة قد دخل التاريخ، وليس هناك تاريخ سيّئ وتاريخ جيد، وإنما هناك تاريخ كما هو.. يجب ألا ننسى أن أعداء المغرب قد قاموا باستغلال القضية للإساءة إلى صورة البلد».
في الرسالة الملكية، التي تلاها اليوسفي على الحضور الكثيف الذي حضر إلى اللقاء، كانت هناك رسائل سياسية أخرى نلتقط بعضها:
أولا: الرسالة الأولى هي الرسالة الملكية نفسها إلى لقاء حساس يتعلق بتخليد ذكرى 50 سنة على اختطاف العدو الأول للملك الراحل الحسن الثاني. إن الملك الحالي يقول في هذه الرسالة: «إن ملف اختطاف المهدي بنبركة ملف لا عقدة لي تجاهه، وهي قضية لا تخصني لا من قريب ولا من بعيد، وإن ما جرى كان جزءا من صراعات مرحلة ما بعد الاستقلال، وإن المصالحة مع الاتحاديين بالنسبة إلي قد جرت في حياة والدي عندما وافق على مشاركتي في ندوة مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد سنة 1997».
ثانيا: جرت العادة أن تتلى الرسائل الملكية من قبل مستشاري الملك أو من قبل الوزراء المعنيين بمضمون هذه الرسائل، ورغم أن السيد عمر عزيمان، مستشار الملك، كان حاضرا في اللقاء، فإن القصر أصر على أن يكلف اليوسفي، وليس أحدا سواه، بقراءة رسالته إلى الاتحاديين في ذكرى اختطاف بنبركة، وهي رسالة مزدوجة فيها تكريم لليوسفي الذي خرج من القصر غاضبا سنة 2002، بعدما جرى الاستغناء عن خدماته ضدا على المنهجية الديمقراطية التي حملت حزب الوردة إلى المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، حيث جرى حرمان اليوسفي من ولاية ثانية، واستبداله بتقنوقراطي اسمه إدريس جطو. أما الدلالة الثانية لتكليف الملك وزيره الأول السابق بقراءة الرسالة الملكية في المناسبة أعلاه فهي إشارة إلى أن اليوسفي مازال مخاطبا معتمدا من القصر، وأن اختيار الملك بعث رسالة إلى اليوسفي وليس إلى إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي (الذي نظم قبل يوم واحد ذكرى خاصة به في الموضوع نفسه)، يحمل دلالات غير سارة إلى القيادة الحالية للحزب التي اختارت مقاطعة لقاء اليوسفي وحتى التشويش عليه.
الرسالة الثالثة التي حملها المكتوب الملكي إلى الاتحاديين تقول إن ملف بنبركة ملف من اختصاص المؤرخين وليس شغل السياسيين، وإن جثة المهدي الغائبة يجب ألا يطلبها أحد عند أبواب القصر الملكي بالرباط، وإن كل ما يمكن قوله حول التاريخ الأسود للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان قيل من قبل هيئة الإنصاف والمصالحة… لهذا جاءت الرسالة الملكية إلى الاتحاديين خالية من كلمة واحدة لم تذكر وهي: «الحقيقة»… جاء الاعتراف بمكانة الزعيم الراحل، وجاء التنويه بمساهمته الوطنية، لكن حقيقة اختطافه سنة 1965، أو ما يعرفه المغرب عن هذه الحادثة، فهو أمر خارج التفكير الآن.
الدولة في المغرب لها منطقها، وهي لا تنساه أمام الأحياء كما الأموات، في الفرح كما في الحزن، مع الأصدقاء كما مع الأعداء.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

YOUBA منذ 6 سنوات

الرسالة ٤، و هي: يا أيُّها الإشتراكيين و الإشتراكياتْ ، أجمعُو شتاتكُم ، ورِّيـــوْنَا حنّة يدِّيكـــمْ ، و باركا من التّْبرهيـــــش.. و مَـــا تْخلِّيــــوشْ المؤسسة الملكية ، تضطرُّ إلى مواجهة الإسلاميين سياسيّاً ، في قابلِ السنوات القادمة ، و في ظلِّ تهالكْ الأحزاب الأخرى ، و خصوصاً اليسار المُعتدل...

عاشق التاريخ منذ 6 سنوات

تحليل جيد جدا السي توفيق، ماشاء الله عليك دائما متألق كعادتك، مات بن بركة و قبل أن يدفن جمعت الحقيقة و وضعة داخل كفنه حتى لا يجدها و لا يعرفها أحد غير قاتله، و تستمر الأيام ...

ملاحظ منذ 6 سنوات

لا علاقة للإتحاديين بالمهدي بنبركة لسبب واحد أن بنبركة اخطف سنة 1965 وكان حينها محسوبا على الإتحاد الوطني للقوات الشعبية ولم يكن آنذاك اي وجود لحزب اسمه الإتحاد الإشتراكي لأنه لم يتأسس إلا بعد 10 سنوات أي سنة 1975 والإتحاديون ركبوا على قضية المهدي وتبنوها لان بعضهم ممن أسسوا الحزب خرجوا من رحم الإتحاد الوطني للقوات الشعبية وذلك لمناهظة النظام ومحاربة الحسن الثاني - " كنا نقول للحسن الثاني نحن أو أنت " تصريح سابق للشكّر - وإذا كان من مطالب بحقيقة إختفاء المهدي فهم عائلته والإتحاد الوطني للقواة الشعبية أما الإتحاديون الإشتراكيون فلا علاقة لهم به ولو أن بعضهم كانوا معه في الإتحاد الوطني وإنما كانوا ولا زالوا يستغلونها سياسيا وإلا لماذا لم يكشفوا عن أسرارالقضية عندما شاركوا في 3 حكومات ترأسوا إحداها وكانت وزارة العدل في يدهم