توفيق بوعشرين: ألوان المسيرة 

06 نوفمبر 2015 - 21:45

بدأت المسيرة قبل 40 سنة خضراء تحمل الأعلام والمصاحف، وتطلب استكمال الوحدة الترابية للمغرب، وخياطة جنوب انفصل عن شمال، ثم ما لبثت أن تحولت المسيرة إلى حمراء سالت خلالها دماء كثيرة في حرب طاحنة في رمال الصحراء، لأن الجار العنيد رأى في قوة المغرب ضعفه، وفي راحة الرباط أرقا للجزائر، ثم تحولت المسيرة إلى بيضاء بعد وقف إطلاق النار قبل ربع قرن، ودخول قوات المينورسو لحراسة تسوية هشة لم تنتج حلا نهائيا إلى الآن، ثم تحولت المسيرة إلى رمادية تبحث عن حل لا غالب فيه ولا مغلوب على قاعدة حل سياسي وحكم ذاتي للصحراويين، وحدويين وانفصاليين، في الإقليم الذي يضم النزاع الأشهر في إفريقيا، ثم، بعد أربعين سنة، ها نحن نرجع إلى الرهان على اللون الأخضر للمسيرة، كعنوان لحل تنموي جديد وجدي يزرع الأمل في نفوس الصحراويين في العيون وفي تيندوف.
جو الاحتفالات اليوم بمرور أربعة عقود على انطلاق نداء الحسن الثاني إلى شعبه بحمل الأعلام والمصاحف، وعدالة القضية، والنزول إلى الجنوب لتحرير الصحراء من يد العجوز الإسباني فرانكو بدون طلقة رصاصة واحدة.. جو الاحتفال هذا يجب ألا يخفي عنا الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة المغربية في تدبير الملف على مدى نصف قرن تقريبا، وأولها، تسليم ملف سياسي بامتياز إلى أداة أمنية بامتياز، وأقصد وزارة الداخلية، التي احتكرت أعقد إشكالية في المغرب الحديث، والنتيجة أننا ربحنا الأرض بالدماء والعرق وتضحيات الأجيال، لكن قلوب بعض الصحراويين، هنا وهناك، ظلت عصية على الخفقان للأحمر والأخضر.
اليوم اختار الملك محمد السادس أن يحتفي، مع 34 مليون مغربي، في الصحراء، وأن يعطي انطلاقة مشاريع تنموية ضخمة على أمل أن يربط البشر بالأرض، والإنسان بالوطن، والمواطن بالمصالح، والمصالح بالحكامة، والمال بالاقتصاد، والأرقام بالنمو، والمشاريع بالشغل والرفاهية، والإحساس بالانتماء إلى دولة تفكر في راحة مواطنيها قبل أي شيء، فالصحراء لا معنى لها بدون صحراويين، والإعمار لا قيمة له بدون إحساس السكان هناك بأنه لهم وبهم ولأجل مستقبل أبنائهم.
أمام هذا المخطط الطموح فرص كبيرة للنجاح، وفي الوقت نفسه مبررات عديدة للفشل، وأولها، غياب نخب جديدة في الصحراء، فالنخب القديمة جلها نخب ريعية وقبلية ومتشككة، والكثير منها يضع رجلا في الوطن ورجلا خارجه.. إنها نخبة تشبه ضرسا مسوسا في فم الصحراء، والمشكل أن أحدا لم يستطع، طيلة 16 سنة من حكم محمد السادس، إزالة هذا الضرس، رغم أن الجميع يعرف أنه مضر، وأن سلامة أي مشروع لا يمكن أن تتم بوجود أمراء الحرب.. هؤلاء الذين أصبحوا يعيشون على إدارة الأزمة وليس حلها، على الاستفادة من التوتر وليس العمل على إحلال السكينة.
انظروا إلى نتائج الانتخابات الجماعية الأخيرة، وانظروا إلى الوجوه الصحراوية التي بسطت نفوذها بالمال والريع والفساد على صناديق الاقتراع.. إنها تعطي صورة سيئة عن الطريقة التي تشتغل بها الديمقراطية المغربية في الصحراء، وهذا ما يخدم أطروحة «الشك» التي تستبد بعقول الكثير من الصحراويين الذين يعيشون في مخيمات تيندوف في ظروف قاسية جدا، لكنهم لم يقتنعوا بعد بإمكانية الجلوس في مفاوضات جديدة حول المستقبل.
الجار الجزائري البعيد مشغول هذه الأيام بتفكيك دولة المخابرات، وإعادة بناء دولة مراكز قوى جديدة حول الرئيس الذي يتنفس اصطناعيا وينتقم من الجيش الذي تلاعب لسنوات بالسياسيين، ولهذا، فإن الفرصة متاحة اليوم لكي يجرب المغرب طريقة جديدة لحل نزاع الصحراء.. طريقة قائمة على إعطاء نموذج تنموي مغرٍ للعيش في الأقاليم الصحراوية والاستثمار فيها، والاستقرار فوق رمالها المتحركة وشطآنها الساحرة. يقول نابليون بونابرت: «في السياسة لا توجد حلول مستحيلة، وأبواب النجاح تفتح لمن يدفعها بقوة».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

simo منذ 6 سنوات

لزم ايكون هاد طريقة في الردود دائمة وأحسن طريقة للدفاع هي الهجوم هاد الجزائر تعدت كل الخطوط الحمر صافي سلينا

hamid منذ 6 سنوات

هناك مغالطة لا ينتبه اليها الاعلام المغربي و هي الخلط بين الاسم التاريخي للبوليساريو الاصلي كحركة تحرر ضد الاستعمار الاسباني و البوليساريو الحالي.البوليساريو الاصلي مات منذ زمن طويل لم يبقى الا بوليساريو الجزائر أو بولجزائر بعد عودة عدد كبير من قياديي البوليساريو الى المغرب و اختطاف الاسم التاريخي للبوليساريو لاعطائه مدولا لا علاقة له بما كان يرمز اليه بالامس. على المغاربة ان يكشفوا للعالم هذه المغالطة. ان جماعة بوليساريو الجزائر لم يعد لها الحق للحديث باسم الصحراويين. اليوم البوليساريو الجزائر (البوليجزائر) اصبح مجرد اصل تجاري و ورقة في يد الجزائر. ان اكبر مغالطة يتم يتداولها في الاعلام المغربي و الدولي هو الخلط بين التسمية الاصلية للبوليساريو الاصلي و بوليساريو الجزائر الحالي

فؤاد شهري أموكر نايت مرغاد منذ 6 سنوات

الله إعطيك الصحة أبا توفيق.مقال تحليلي في الصميم.

صلاح الدين منذ 6 سنوات

بالفعل كلام صاىب ما دور شيوخ القباىل و الاعيان في هذه المعادلة