الملك في الصحراء.. دروب دنّسها الانفصال تلتحف برداء الوحدة

11 نوفمبر 2015 - 19:38

ساعات قليلة بعد انطلاق الزيارة الملكية غير المسبوقة من نوعها الى عاصمة أقاليم الصحراء، مدينة العيون، بعث المغرب رسالة قوية الى القوى الدولية ومنظمة الامم المتحدة، مفادها إنه لن يقبل بأي تحوّل في مسار البخث عن تسوية نهائية لهذا الملف، ويرفض أي محاولة لنقل النقاش الى مستوى ما يحضّره المبعوث الاممي كرسيتوفر روس، من مخططات جديدة تفيد كل المؤشرات أنها تتضمن حلولا تتجاوز مقترح الحكم الذاتي الى نماذج فيدرالية.
الزيارة الملكية التي طال انتظارها، حملت رسالة اولى ضمن الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، حين قال الملك إن الحكم الذاتي هو اقصى ما يمكن أن يقبله المغرب، و”مخطئ من ينتظر من المغرب أن يقدم يقدم أي تنازل آخر”.
ثم سرعان ما جاءت الرسائل المكمّلة لهذه العبارة من الخطاب الملكي، حيث أعلن وزير الخارجية والتعاون صلاح الدين مزوار رسميا، وتزامنا مع وصول الملك محمد السادس الى مدينة العيون، أن المبعوث الاممي الى الصحراء، الأمريكي كريستوفر روس، ممنوع من زيارة الصحراء.
مزوار قال في تصريح لوكالة الأنباء الاسبانية، إن الحكومة المغربية لن تسمح لروس بزيارة الأقاليم الصحراوية، معتبرا ألا شيء يجب عليه فعله في العيون، و”من غير المقبول أن يلتقي بأي كان هنا” وزير الخارجية المغربي قال إن روس عندما يأتي الى المغرب فإنه يفعل ذلك من أجل لقاء المسؤولين المغاربة، وهو ما عليه أن يقوم به في العاصمة الرباط.

حوار مع الملك
“لا علاقة لي بهؤلاء الذين يخرجون في المظاهرات وأنا مغربي واقول عاش الملك”، يجيب شاب عشريني يتولى سياقة سيارة للأجرة، ركابه الصحافيين الراغبين في التأكد مما إن كانت المدينة شهدت تحركات احتجاجية للانفصاليين موازاة مع الزيارة الملكية.
“أنا إذا التقيت سيدنا سأطلب منه شيئا واحدا، وهو أن يمكنني من ولوج صفوف القوات المساعدة، لا أريد أكثر من ذلك”. عبارات تلقائية صدرت من هذا الشاب في وقت كانت عبارات أخرى محكمة التحضير والدراسة تتردد في آذان سكان الصحراء من الخطاب الملكي. “فالصحراويون معروفون، منذ القدم، بأنهم كانوا، دوما، رجال تجارة وعلم، يعيشون من جهدهم، بكرامة وعزة نفس. ولا ينتظرون المساعدة من أحد، رغم قساوة الظروف”، يقول الملك محمد السادس في خطاب الجمعة الماضي، مضيفا أنه يقصد “أبناء الصحراء الحقيقيين، الوطنيين الصادقين، الذين ظلوا أوفياء لروابط البيعة التي تجمعهم وأجدادهم، عبر التاريخ بملوك المغرب. أما الذين ينساقون وراء أطروحات الأعداء ويروجون لها، رغم قلتهم، فليس لهم مكان بيننا. ومن تاب ورجع إلى الصواب، فإن الوطن غفور رحيم”.
حوار غير مباشر تلاه حوار آخر بين جموع الذين خرجوا في الأيام الاخيرة للترحيب بالملك والهتاف بحياته، وبين الملك الذي ما أن انتهى من أشغال لقائه الرسمي الاول مساء السبت لإطلاق المشاريع الاستثمارية، حتى تناقلت ساكنة المدينة أخبار خروجه للتجول في الشوارع على متن سيارة “ميرسيديس”، جاء بعد نحو عقد من التحضير والدراسة والنقاش حول فكرة الحكم الذاتي وبعدها الجهوية الموسعة، وثلاث سنوات من الاستعداد لوضع نموذج تنموي جديد لأقاليم الصحراء، يخرجها من دائرة الريع والفوضى وغياب المبادرة والاستثمار، وفي الوقت الذي أنهى فيه الملك محمد السادس تسع سنوات من الغياب عن عاصمة الصحراء، وحلّ بها ليلة الجمعة الماضية حاملا مشاريع وقرارات وخطب وأموال انطلاق أول خطوة عملية في تنزيل هذه المخططات والاستراتيجيات الجديدة.
“فبعد ملحمة تحرير الأرض، وتوطيد الأمن والاستقرار، عملت بلادنا على تمكين أبناء الصحراء من مقومات المواطنة الكاملة، وظروف العيش الحر الكريم. واليوم، وبعد أربعين سنة، بإيجابياتها وسلبياتها، نريد إجراء قطيعة حقيقية مع الأساليب المعتمدة في التعامل مع شؤون الصحراء : قطيعة مع اقتصاد الريع والامتيازات، وضعف المبادرة الخاصة، وقطيعة مع عقلية التمركز الإداري”، يقول الملك محمد السادس في خطاب المسيرة الخضراء.

استقبال حافل ل”الشريف”
كانت الساعة تشير الى الثامنة وعشرين دقيقة ليلا، وكان المكان في النقطة المقابلة لملعب الشيخ محمد الاغضف من شارع محمد الخامس بعاصمة الصحراء العيون؛ الحماس في ذروته، والاكتظاظ على أشدّه على جنبات الطريق، حيث انتظم الجمهور في طابقين، الأخف وزنا يجلسون فوق أكتاف البدناء.
أضواء قوية تقترب من جهة المطار، إيذانا بقرب مرور الموكب الملكي الذي خرج الآلاف لانتظاره منذ يومين على الأقل. بضع ثوان تفصل “الشريف” كما يفضل البعض هنا مناداة الملك، عن هذا المتقى الطرقي المحادي لحديقة عمومية يلقبها أبناء المدينة بحديقة العشاق. فجأة تنطفئ الأضواء الصادرة عن مصابيح الإنارة العمومية، مخلفة لحظة قصيرة من الصمت، ومشاعر تمزج بين الخوف والرهبة والتساؤل.
تصل السيارة الاولى التي تتقدم موكب الدراجات النارية التي تحف بسيارة الملك، تخفف سرعتها، ثم تتوقف نهائيا كما لو تلقى سائقها أمرا صارما. خلفه يتوقف الدراجون الذين يخفرون سيارة الملك، تتعالى الصيحات والهتافات، وترفع الأيدي موجهة عدسات الهواتف المحمولة نحو سيارة الملك، يترجّل هذا الأخير وسط الظلام ويتوجه نحو جموع مستقبليه مصافحا بعضهم وملوحا بيده للبعض الآخر، شاشة إحدى اللوحات الذكية التي ارتفعت لتصوير المشهد، تحوّلت الى قناة نقل مباشر لعشرات المتحلّقين العاجزين عن رؤية المشهد مباشرة، “سبحان الله النور في وجهه، انظر إنه يلوّح بيده”، يقول أحد المتفرجين في شاشة اللوحة الرقمية، فيما تحوّل صاحبها إلى وجهة للعديد من المستقبلين لطلب إعادة مشاهدة المشهد بعدما عاد الملك الى سيارته وواصل السير.
“إن تخليد الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء ليس حدثا عاديا، أو احتفالا عابرا، بل نريده مرحلة فاصلة في تاريخ استكمال الوحدة الترابية للمملكة”، يقول الملك محمد السادس في أول جملة من خطابه الذي بثّ متأخرا ليلة الجمعة، بعد ساعتين من هبوط طائرته بمطار الحسن الأول. عبارة ذكّرت جلّ الصحافيين الذين انتقلوا الى جنوب المملكة لتغطية هذا الحدث، بما صرّح به وزير الاتصال الناظق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، في لقاء قصير مع الصحافيين رافقه فيه وزير الداخلية محمد حصاد.
الخلفي أثار الانتباه بحديثه عن حدث فاصل “له ما قبله وما بعده”، وقبل أن يسترسل في الحديث، كان زميله حصاد يمدّ إليه يده كما لو يستبق إفصاحه عن المزيد، داعيا إياه الى مغادرة المخيّم المؤقت المحادي لسد المسيرة المقام على نهر الساقية الحمراء “سبحان الله لم يمتلئ هذا السد بهذه النسبة الكبيرة منذ أكثر من عشر سنوات”، يقول حصاد متحدثا للصحافيين بشكل ودي على هامش اللقاء.
امتلاء حقينة السد الأكبر بالمنطقة، والذي يضمن تغذية الفرشة المائية لمنطقة “فم الواد” وبالتالي استدامة أنشطتها الفلاحية، لم يكن كافيا ليروي الظمأ الشديد الذي عبّرت عنه جموع المحتفلين في شوارع المدينة منذ تأكد خبر قدوم الملك.
تعطّش اشتدّ بعد غياب الملك عن هذه المدينة زهاء تسع سنوات، انغمس فيها ربع مليون نسمة في أجواء من التوتّر والخوف وهيمنة المواجهة العنيفة على شوارعها. “جل الذين ترونهم الآن في الشارع لم يخرجهم أحد، بل خرجوا تلقائيا للتعبير عن فرحتهم وحاجتهم الشديدة لهذه الزيارة.. الناس تقهرو في أوضاعهم الاجتماعية لكن خصوصا في مشاعرهم ووطنيتهم بهيمنة من يسمون بالانفصاليين على أوضاع المدينة”، يقول أحد سكان حي “كولومينا” العريق بالعيون.
“موت موت يا المجنون.. راه سيدنا جا للعيون”، يقول شبان متحمسون يخرجون رؤوسهم، من نوافذ سيارة مزينة بالأعلام الوطنية ويجوبون شارع مكة في اتجاه قصر المؤتمرات. “إنهم يقصدون بالمجنون الرئيس الجزائري بوتفليقة، لأن هناك شعار آخر يقول بوتفليقة يا المجنون راه سيدنا جا للعيون”، يشرح مصدر محلي ل”اليوم24”.

رداء الوطنية في دروب الانفصال
جل شوارع وأحياء أكبر مدينة في النصف الجنوبي للمغرب، اكتست مظاهر الاحتفاء بنوعيه، الرسمي والشعبي. لافتات اعتلت واجهات البنايات منذ بداية الأسبوع، حملت عبارات ترحيب واحتفاء بالزيارة، والأعلام الوطنية تحوّلت على أجساد جزء من الساكنة إلى “ملحفة” و”دراعية” ومناديل لتغطية الرأس وارتداء اللثام. والدروب نفسها التي حضرت “اليوم24” قبل نحو سنتين أطوار معاركها الحامية بين شبان منظمين والقوات العمومية، كانت عشية الزيارة تتزيّن بالأعلام الوطنية وصور الملك والمجسمات المضيئة. الزقاق المطل على شارع مكة بمحاداة المديرية المحلية لأملاك الدولة، والملتقى الطرقي المحادي لفندق “نكجير”، وأحياء “معطى الله” و”مولاي رشيد” وغيرها من المواقع الساخنة بالمدينة ارتدت بدورها حلّة الاحتفاء، دون أن يخفي ذلك استمرار مظاهر المدينة “المصفحة” التي باتت تلتصق بواجهات المدينة منذ أحداث 1999 الدامية.
أشكال الاحتفال والخروج التلقائي التي سادت أرجاء المدينة قبل وبعد انطلاق الزيارة، لم تخفي بدورها حضور مظاهر التعبئة والحشد المنظمين. مسيرات صاخبة جابت شوارع العيون طيلة هذا الأسبوع أطرتها جمعيات المجتمع المدني المرتبط جلّها بأنابيب الدعم العمومي والتنمية الاجتماعية.
هذه سيارة إسعاف تابعة لجمعية التشاور للاعمال الاجتماعية والتنمية والبيئة بالدار البيضاء تذرع الشارع الرئيسي للمدينة جيئة وذهابا مطلقة العنان لمكبًر للصوت يصدر أغان وطنية، وتلك حافلة جمعية النهضة الرياضية لشيشاوة تقلّ ركابا متحمسين بالهتافات، وبينهما حافلة كبيرة لفريق الاتحاد الرياضي لتمارة تقلّ عشرات الرجال والنساء نحو وسط المدينة. “هؤلاء المواطنون الذين تحمّلوا عناء السفر الى هنا ليسوا مدفوعين بالضرورة، ولا يمكننا منع الجمعيات والهيئات الراغبة في المشاركة في هذا الحدث فقط كي لا يبد الأمر مدبٌرا”، يقول مصدر مقرب من السلطة في تعليق ل”اليوم24”.
الشق المنظم بشكل رسمي من مراسيم الاستقبال همّ مئات الشخصيات المحلية من شيوخ القبائل ومنتخبين وأعيان وجمعويون. هؤلاء تلقوا رسائل تدعوهم للاستعداد من أجل الانتقال إلى قاعة قصر المؤتمرات المقابل لساحة الدشيرة، من أجل مشاهدة الخطاب الملكي مباشرة بعد وصول الطائرة الملكية.
وفيما كانت ثلاث حافلات كافية لنقل عناصر الحرس الملكي الى المطار حوالي الساعة الخامسة من مساء الجمعة، كانت عملية نقل الأعيان والمسؤولين المحليين تحتاج الى ست حافلات تابعة لشركة “ساتيام”، عبرت بهم الشارع الرئيسي حوالي الساعة السابعة مساء.
بين وفد وآخر، كان وزير الداخلية محمد حصاد يمرّ على متن سيارة متواضعة، حيث جلس بجوار السائق، وراقب في اطمئنان الاختناق المروري الكبير الذي اشتدّ في مساء اليوم الموعود، وظلّ يتقدّم ببطء شديد لعدم انتباه عناصر المرور الى وجوده ضمن ركاب السيارات المزدحمة.
فيما كان الرجل الثاني في الداخلية، والذي تقدّمه المصادر المحلية هنا كعقل مدبٌر ومهندس أول لهذه الزيارة، الشرقي الضريس، في مدخل فندق المسيرة مبتسما أمام مشهد المسيرات الاحتفالية التي تتدفق نحو طريق مرور الملك من المطار إلى إقامة الوالي التي تحوّلت إلى أقامة ملكية. الضريس الذي قالت مصادر “اليوم24” إنه اعتكف في تحضير الزيارة منذ بضعة أشهر، وقضى ليال بيضاء في الأسابيع الأخيرة مشرفا على إجراءات التنظيم واللوجستيك، كاد يطلق العنان لدموعه حين قيل له إن المظاهر الاحتفالية تذكّر الكثيرين بأجواء المسيرة الخضراء قبل أربعين سنة.

يد الملك ممدودة
قبل ان يخرج الملك محمد السادس إلى الخيمة الكبرى بساحة المشور لاطلاق المشاريع الاستثمارية، كانت مجموعة من الشيوخ والأعيان وأبناء شخصيات صحراوية بارزة، على موعد مع تلقي أوسمة ملكية تنطوي على دلالات كبيرة. “صحيح أنه لا يمكنك أن ترضي الجميع، وكيفما كانت لائحة المستفيدين فان هناك من شيعتبرون أنفسهم يستحقونها أيضا، لكن ذلك لا ينفي وقوع تحوّل في لائحة المستفيدين، حيث كانت لائحة المقترحات التي تم ارسالها تتضمن أسماء شخصيات صحراوية كبيرة، جلّها توفّيت، قبل إن يتم استبعادها وتعويضا بشخصيات من عالم الاقتصاد بالدرجة الاولى”، يقول مصدر مقرب من كواليس التحضير للزيارة الملكية.
فيما كانت أولى مفاجئات الزيارة الملكية غير المسبوقة من نوعها، قد جاء في بيان صادر عن وزارة العدل والحريات، أعلنت فيه خبر صدور عفو ملكي استثنائي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، شمل 4215 سجين، 433 منهم ينحدرون من الاقاليم الصحراوية، ينقسمون بين عفو مما تبقى من العقوبة السجنية وتقليص مدتها. وفيما ترددت بعض الأنباء التي أشارت الى وجود متهمين في أحداث “اكديم ازيك” ضمن المستفيدين من هذا العفو، استبعدت مصادر محلية مطلعة صحة هذه الأنباء، موضحة أن الأمر يتعلق بمعتقلي الحق العام فقط.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

said rayad منذ 6 سنوات

من خلال متابعتي للزيارة الملكية إلى مدينة العيون آثار انتباهي مسالتان مهمتا ن لم تركز عليهما وسائل الإعلام وهما اولا: لما انقطعع التيار الكهربائي عن الشارع الدي مر منه الموكب الملكي أخذ المواطنون الذين اصطفوا على جنبات الشارع لاستقبال جلالة الملك المبادرة ووجهوا عدسات هواتفهم النقالة نحو الشارع الذى يمر منه الملكي الملكى ولولا الأنوار المنطلقة من تلك الهواتف لما استطاع جلالة الملك الترجل من سيا رته للسلام على المواطنين ثانيا الحدث مر بملعب الشيخ الأعظم بالعيون حين انطلقت حناجر حوالي ثلاثين الف مواطن تردد النشيد الوطني في استفتاء شعبي راءع

حزينة على الوضع :( منذ 6 سنوات

Machi gelto gbila rah lmalik f franc fri7la ??