توفيق بوعشرين: مخزني في بذلة تكنوقراطي

12/11/2015 - 22:09
توفيق بوعشرين: مخزني في بذلة تكنوقراطي

ليس كل رئيس للجامعة الملكية لكرة القدم يتمتع بالضرورة بروح رياضية، تماما كما أن ليس كل تقنوقراط الإدارة بعيدين عن السياسة ودسائسها، مثلما أن الرجال ليسوا كلهم أحرارا.. الكثيرون منهم يقبلون على أنفسهم أن يصيروا أدوات تستعمل عند اللزوم بدون تحفظ ولا احتياط، ولا حتى مراعاة للمركز والاسم والبذلة وربطة العنق.
السيد فوزي لقجع، مدير الميزانية في وزارة المالية ورئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، اعتبر افتتاحية «قوالب الوزراء» تمس سمعته وشرفه المهني، ولأنه رجل لا يتسامح مع من يقترب منه ومن عشيرته أو من أولياء نعمته، فلم يكتفِ ببيان حقيقة إلى هذه الجريدة، أو بدرهم رمزي أو دعوى رد اعتبار… لا، أبدا، لا يؤمن السيد فوزي لقجع، رجل الميزانية، إلا بالأرقام الكبيرة.. طلب من القاضي، الذي سينظر في الدعوى القضائية التي رفعها ضد مدير هذه الجريدة، مليون درهم عدا ونقدا، وفوقها طلب من القاضي أن يحكم علي بالمنع من ممارسة مهنة الصحافة وحرفة الكتابة لمدة عشر سنوات، وهي المدة التي يقدر السيد لقجع أنها كافية بالنسبة له لكي يواصل مسار الترقي الوظيفي بدون إزعاج صحافي يسلط الضوء عليه وعلى من دفعه ليلعب هذه المقابلة غير الحبية مع الصحافة الحرة.
لم يكتف السيد لقجع بالتحريض علينا، ودفع كتيبة كاملة من الصحف الصفراء ومواقع الدفع المسبق الإلكترونية إلى سبنا ونشر الأخبار الكاذبة عنا، بل يريد أن يقتص لنفسه بالمال وبالمنع من الكتابة. أعرف تأثير المال في البشر، وأعرف كيف يحول الناس من بشر إلى كواسر، ومن قامات طويلة إلى أعشاب تدوسها الفيلة. منذ أن قال المسيح عليه السلام: «المال أساس كل شر»، والناس يبحثون في كل فعل إنساني عن تأثير بريق المال في النفوس. هذا أعرفه، الذي لا أعرفه هو كيف سينام السيد لقجع، هو ومن طلب منه أن يلعب دور أرنب السباق في هذه الفضيحة، وهو يطالب بالقتل الرمزي للصحافي، بإعدامه مهنيا، باعتقال قلمه وفكره وحريته لمدة عشر سنوات؟ هل هناك عاقل يفكر في أيامنا هذه بمنع مواطن من الكلام؟ كان الزعيم النقابي نوبير الأموي في زمن العز يردد دعاء شهيرا يقول: «اللهم ارزقنا خصما عاقلا»، لكن يبدو أن الله لم يستجب له إلى الآن، وقدرنا أن نواجه خصوما في هذه البلاد بينهم وبين العقل والحكمة سورٌ صيني طويل.
يا سيد لقجع، إن الغربال لا يغطي الشمس، ودعواك القضائية في محكمة عين السبع لن تغطي على فضيحة سياسية قالت محكمة الرأي العام كلمتها فيها، ورتبت على الحكم الجزاء، ووضعت (أبطالها) في الخانات التي يستحقونها، وبيننا الأيام والشهور والسنوات. هل تعتقد أن دعوى أو حتى حكما قضائيا سيغطي على سابقة في تاريخ الحكومات بالمغرب، وتاريخ إعداد الميزانيات، حيث لم يعرف رئيس الحكومة أنه لم يعد آمرا بالصرف على صندوق فيه 55 مليار درهم سوى من الصحافة! رئيس الحكومة الذي قال: «هذه ليست الضربة الأولى التي توجه إلي ولن تكون الأخيرة»… السيد لقجع، أنت لا تحاكم الصحافي الذي نقل الخبر، أنت تحاكم رئيس الحكومة الذي غضب من ‘‘القالب’’ الذي نصب له.
إذا لم تعجبك صورتك في المرآة، يا سيد لقجع، فلا تكسر المرآة بل أصلح من حالتك، هذا بالضبط ما تفعله عندما تلجأ إلى كسر القلم الذي كشف الحقيقة، وأعطى دافعي الضرائب الحق في أن يعرفوا ما دار ويدور في كواليس القرار الحكومي. وظيفة الصحافي أن يعري فيما الحكومة تغطي، ووظيفة الصحافي أن يقول الحقيقة فيما وظيفة السياسي أن يطلي الحقيقة بألوان زاهية. وظيفة الصحافي مثل وظيفة الطبيب الصيني القديم الذي يعالج المريض بتقنية الوخز بالإبر التي تؤلم لكنها توقظ المناعة في الجسم المريض، أما السياسي والتقنوقراطي المتخلفان فإنهما يغطيان الجراح حتى تتعفن… قانون الصمت الذي تريد أنت وأمثالك أن تفرضوه على ما بقي من صحافة مهنية في المملكة مؤامرة كبيرة على هذه البلاد وتجربتها الديمقراطية الهشة، وضرب لحق المواطن في الإخبار، ولعب بالنار لن يسلم منه أحد. عندما تكمم أفواه الناس، وتبعد شهود الحقيقة عن مسرح الأحداث، هذا معناه أنك تطفئ النور، وأنك تهيئ المسرح لجريمة لا تريد لأحد أن يراها أو ينقلها أو يدونها.
يقول الفنان الفرنسي الساخر كولوش: «الفرق بين التقنوقراط والعصافير هو فقط أن العصافير تتوقف بين الحين والآخر عن التحليق من شجرة إلى أخرى، في حين أن التقنوقراط لا يتوقفون».

شارك المقال