هذه إكراهات ومعيقات الولوج إلى المحاكمة العادلة

14/11/2015 - 08:00
هذه إكراهات ومعيقات الولوج إلى المحاكمة العادلة

رغم المسار الذي قطعه إصلاح القضاء منذ تشكيل الحكومة الحالية، لازالت شروط وضمانات المحاكمة العادلة، انطلاقا من واقع الممارسة اليومية لجهاز العدالة، تعاني من «إكراهات ومعيقات تعرقل سير القضاء».
الخلاصة تضمنها بحث ميداني أعدته جمعية «عدالة»، والتي اختارت أن تواكب ورش إصلاح القضاء عبر إنجاز دراسات وأبحاث ميدانية تقول إن الغرض منها هو: «المساهمة بشكل فعال وناجع في التطوير والتغيير».
وكشف بحث ميداني أعده خبراء الجمعية حول محاكم فاس وصفرو وآزرو أن من بين المشاكل العويصة التي تحول دون الحق في التمتع بمحاكمة عادلة، هي كثرة عدد القضايا الرائجة، وسوء التواصل داخل الجسم القضائي، وسوء توزيع القضاة، وقلة عددهم، وضعف التجهيزات والبنيات.
وعلى سبيل المثال، سجّل البحث نحو 59.5 ألف قضية رائجة أمام المحكمة الابتدائية في مدينة فاس، طبقا لإحصائيات رسمية قدمتها وزارة العدل والحريات سنة 2011، بينما لا تتوفر المحكمة نفسها سوى على 57 قاضيا، و198 موظفا. أي بمعدل 1044 ملفا لكل قاض خلال السنة الواحدة، أي ثلاثة ملفات يوميا.
أما في محكمة الاستئناف بالمدينة ذاتها، فقد رصد البحث وجود 75 ألف قضية رائجة، مقابل 30 قاضيا فقط، و141 موظفا، بمعدل 2500 ملف لكل قاض خلال السنة، أي 7 ملفات يوميا. وينطبق الوضع نفسه تقريبا على المحكمة التجارية، التي توجد على مدارجها 1710 قضية رائجة، بينما لا تتوفر سوى على 12 قاضيا و56 موظفا، بمعدل 142 قضية لكل قاض سنويا.
ويكاد الوضع نفسه ينطبق على المحكمة الابتدائية في مدينة صفرو، التي سجلت بها 19 ألف قضية رائجة، بينما لا تتوفر سوى على 19 قاضيا و110 موظفين، بمعدل 1000 قضية لكل قاض سنويا، ثلاثة ملفات تقريبا لكل قاض سنويا.
وأكد البحث في محاولته تشخيص وضعية المحاكم الحالية، أن المحكمة التجارية بفاس على سبيل المثال تعاني من قلة القضاة، وضعف البنية التحتية، وسوء توزيع القضاة، ناهيك عن أنهم يشتغلون في ظروف قاسية، إذ يتطلب الوضع توفير بنية تحتية ملائمة تستوعب عدد الموظفين وعدد الملفات المعروضة.
وكشف البحث وجود ضغوطات كبيرة على محكمة قضاء الأسرة بفاس، التي يعمل بها 15 قاضيا مطلوب منهم النظر في أزيد من عشرة آلاف قضية، أي بمعدل 673 ملفا لكل قاض خلال السنة الواحدة.
كما أن العلاقات المهنية داخل المحاكم ليست بأحسن حال، إذ رصد البحث الميداني نفسه، من خلال عينة تتكون من 200 شخص بمحاكم مختلفة في فاس وصفرو وآزرو، مظاهر سلبية مثل «ضعف الاندماج»، و»سيادة الروح الفردانية»، و»محدودية التواصل والتضامن بين الأفراد العاملين»، ويعكس ذلك «مناخا ثقافيا سلبيا» داخل بيئة العمل، واعتبر أن تلك المظاهر «لا تضمن مشاركة ديناميكية للعمل الإداري في ضمان شروط قوية ودائمة للمحاكمة العادلة»، لأن هذه العلاقات الفردية والجماعية «مطبوعة بواقع التفكك»، لصالح «سلطة تراتبية قوية».
وفي إحدى أقوى خلاصاته كتب معدو البحث الميداني الفقرة التالية: «العلاقات الفردية والجماعية ضعيفة، والتواصل محدود في مستوياته الدنيا، والتضامن جد ضعيف، والعلاقات التراتبية صارمة، وتنعدم أي إمكانية للاجتهاد والمبادرة».
ويندرج هذا البحث الميداني حول شروط وضمانات المحاكمة العادلة ضمن سلسلة دراسات وأبحاث قامت بها جمعية «عدالة»، حول الأمن القضائي واستقلالية السلطة القضائية بالمغرب، والحق في الولوج إلى العدالة تكشف فيها الجمعية مشاكل العدالة بالمغرب، انطلاقا من مقاربة تعتقد أن إصلاح قطاع العدالة اقتصر على إصلاح وتحديث البنية المؤسساتية فقط، ما جعله يسقط في غالب الأحايين في مقاربة بيروقراطية لمشاكل واختلالات مترسخة، غافلا الجوانب السوسيوــ اقتصادية التي لها وزن كبير في تشكيل نمط اشتغالها.

شارك المقال