خوان غويتيسولو: كيف يمكن وضع حد للوحشية؟

19/11/2015 - 06:00
خوان غويتيسولو: كيف يمكن وضع حد للوحشية؟

بعد المجزرة الأخيرة في حق المتظاهرين الأكراد في أنقرة، وانفجار الطائرة الروسية في صحراء سيناء، والهجوم الدموي على مسجد شيعي ببيروت الذي يعتبر مركزا للتجنيد من قبل عناصر حزب الله، والتهديدات الموجهة للغرب، خاصة في ظل تضاعف تلك التي تطال الدولة الفرنسية، لم تفاجئني كثيرا الهجمات الوحشية التي قام بها تنظيم «الدولة الإسلامية» في قلب العاصمة الفرنسية باريس، بل الذي فاجأني، بالتأكيد، هو التخطيط وتنفيذ الهجمات، المختلف بشكل جلي عن كتلك التي تقوم بها «الذئاب المنفردة» التي قامت بالاعتداء على هيئة تحرير «شارلي إيبدو»، وسوق ممتاز يهودي في يناير الماضي، إذ إن الهجمات الأخيرة أوضحت أنها من تدبير منظمة إرهابية حربية، وهو الأمر الذي يعتبر بمثابة قفزة نوعية في الاستراتيجية الحربية لما يسمى «الخلافة الإسلامية».
• رد الفعل العسكري المتوقع لفرنسا وحلفائها ضد «الدولة الإسلامية» هو جزء من مخططات هذه الأخيرة، لأنها سوف تغذي دعايتهم ضد الصليبيين ووعودها لشهدائها المفترضين بالجنة. بدون تدخل عسكري على الأرض، لا توجد أي دولة غربية على استعداد الآن للقيام به، فإن القصف الجوي في العراق والشام لم يتمكن إلى حد الآن من إلحاق هزيمة كبيرة بالجهاديين. في العامين الأخيرين، تعقد الوضع في سوريا إلى درجة أنه تحول إلى متاهة حقيقية: الشيعة ضد السنة، ولكن، في نفس الوقت، استراتيجيات متعارضة ومتناقضة للمملكة العربية السعودية وإيران، ودور غامض لتركيا، زد على ذلك التحالفات غير الطبيعية. أنقرة، المتحالفة مع الغرب، تحارب الأكراد السوريين حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية. روسيا، الحليف المدافع عن ديكتاتور دمشق، تهاجم أعداءه المتحالفين مع الغرب. الصراع الذي أشعل العراق وسوريا يشمل الآن شبه الجزيرة العربية؛ إذ بينما تقوم الرياض بتدمير التراث والإرث التاريخي اليمني بغية محاربة الحوثيين فهي بذلك تشجع فعلا الفرع الإقليمي لتنظيم «القاعدة» هناك.
• ما حدث في العامين الأخيرين يظهر تناقضات السياسة الخارجية الأمريكية. ومع اضطراره إلى تسيير الوضع الكارثي في العراق الموروث عن عهد بوش، فشل أوباما في التصرف والتحرك بشكل حاسم ضد القمع الدموي لبشار الأسد، في الوقت الذي كان فيه ذلك ممكنا، إلا أنه فضل التوصل إلى اتفاق مع روسيا لإتلاف الأسلحة الكيماوية، متراجعا بذلك عن الخطوط الحمراء المزعومة التي كان قد هدد بها الديكتاتور السوري. لقد أثبتت الوقائع شيئا واحدا: بوتين يعرف ما يريد، في المقابل، فأوباما فقط يعرف ما لا يريد، لهذا انجر إلى اتخاذ القرارات التي لا تستجيب لإستراتيجية عالمية.
• العديد من الأشياء التي تحدث الآن في سوريا والعراق ما يزال يلفها الغموض: من الذي يمول «الدولة الإسلامية»؟ إلى أين تصدر نفطها؟ ومن يتوسط لها في ذلك؟ لهذا من الصعب التصديق أن أجهزة الاستخبارات الغربية ليست على علم بكل هذا. هل هناك تمويل سري من السعوديين أنفسهم الذين ساهموا في إنشاء «القاعدة»؟ ازدواجية اللعب المتبعة من قبل بعض دول الشرق الأوسط يوضح اختلاط الأوراق على من يتابعون عن كثب تعدد الصراعات وتلك المواكب المأسوية من الضحايا.
• أدت سياسة «الدولة الإسلامية» المبنية على تمجيد «بطولاتها» إلى التأثير على أوساط الشباب الذين يعانون من أزمة هوية، والذي يعتقدون أنهم وجدوا في تمجيد الرعب والإرهاب حلا لمشاكلهم. كما أن الصور الوحشية التي تعكسها هجمات باريس الأخيرة تحمل في طياتها إمكانية تغذية الميول والنزوعات الانتحارية، سواء داخل العالم الإسلامي والغرب الأوربي. قطع رؤوس من يزعمون أنهم كفار ومرتدون، وتدمير التراث الثقافي للعراق وسوريا، والوحشية غير المحدودة التي يعاني منها السوريون في المناطق التي تسيطر عليها «داعش»؛ إذ ولد بفعل بشاعته الرفض الكوني للمسلمين وغذى الإسلاموفوبيا، فإن «داعش» ستستقطب المزيد من الأتباع بين أقلية صغيرة من المسلمين – هم أول ضحايا إرهاب الجهاديين- ، ولكن ذلك سيكون كافيا لتعزيز صفوف «داعش» بالمزيد من الجلادين. إننا نواجه حربا عالمية تتسم بعدم التوازن: من جانب، هناك الدول الغربية الديمقراطية وحلفاؤها العرب، وفي الجانب الآخر، منظمة إرهابية بدون جيوش حقيقية، لكنها قادرة على زرع الرعب في العالم برمته. الرعب الذي عاشته مؤخرا باريس هو شيء عادي جدا (بمثابة خبز يومي) في بلد مثل سوريا: الملايين من المشردين في البلدان المجاورة ومئات الآلاف الذين يأتون إلى أوروبا بحثا عن السلام والحرية.
يجب علينا جميعا توطيد الروابط مع فرنسا في الأوقات الصعبة التي نعيشها.
كاتب إسباني
ترجمة توفيق سليماني عن «إلباييس»

شارك المقال