طرح رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران سؤالا كبيرا في افتتاحية مناظرة العقار بالصخيرات يوم الثلاثاء، وقال: «علاش كولشي معقد في المغرب؟»، ثم حاول أن يجد ظروف تخفيف لهذا التعقيد الذي يطبع الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمغاربة، فاستدرك قائلا: «لكن المغاربة يتكيفون مع هذا التعقيد، ويحاولون أن يجدوا نوعا من النظام في هذه الفوضى».
قبل أن نبحث عن أسباب التعقيد الذي يعيق السير العادي والطبيعي والعادل لأمور المغاربة اليومية، يجب أن نعرف أولا كنه هذا التعقيد المنتشر في كل مكان، والذي يجعل الفوضى سيدة المكان، ويجعل من الزبونية والرشوة والوساطة والضغط أدوات يستعملها الكبار من أجل الاتفاق على هذا التعقيد.
التعقيد هو الحبل الرابط بين المواطنين والسلطة وعنوانه «السلطوية»، وبين الشعب والقانون وعنوانه «الغموض والالتباس»، وبين المغربي والإدارة وعنوانه «البيروقراطية وسير حتى نعيطو عليك»، وبين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة وعنوانه «الأولى في خدمة الثانية»، وبين المقاولة ومحيطها وعنوانه: «لا تدعه يعمل ولا تدعه يمر ولا تدعه يربح»… المغربي لديه مشاكل يومية مع القاضي والشرطي والموظف الجماعي والجمركي وساعي البريد وشركة الماء والكهرباء… كل صباح تصطدم بالتعقيد في كل مناحي الحياة في بلادنا، ولا يفلت من هذا القدر المغربي سوى من له مال أو وساطة أو نفوذ أو ذكاء، أو «ريبرتوار» مليء بأرقام هواتف المسؤولين الكبار والصغار، الذين يتكفلون بفك التعقيد الذي يواجه المغربي في كل مكان، والذي لا يتوفر على هذه الأسلحة للنجاة من كماشة التعقيد يناضل أو يستسلم، أو يهاجر إلى الخارج، أو يرفع يديه إلى السماء بالدعاء أو يتطرف يمينا أو يسارا.
الآن دعونا نطل على أسباب التعقيد الذي يحيط بحزام المغرب، ويمنع المواطنين من الإحساس بأنهم في بلاد حرة، وفي نظام يساعد على النجاح، وفي منظومة قانونية واضحة ترسم خريطة الحقوق والواجبات بطريقة عادلة ومعقولة… السبب الأول أن التعقيد يتكاثر كل يوم ويلد كل ساعة، فيما الإصلاح عقيم أو بطيء جدا. كان المؤمل أن يختار رئيس الحكومة وزارة خاصة بإصلاح جهاز الدولة المغربية ضمن تشكيلة حكومته لكي تتكفل بمباشرة الإصلاحات العميقة في الدولة، والتي من شأنها أن تخفف من سطوة التعقيد ومن الاختلالات والتفاوتات والتناقضات والروتين الإداري والفساد السياسي، لكن شيئا من هذا لم يحصل. فرنسا، التي تتقدم على المغرب بسنوات ضوئية، شكلت لجنة برئاسة رئيس الحكومة السابق، ليونيل جوسبان، في بداية حكم الرئيس فرانسوا هولاند، ووضعت كتابا أبيض لإصلاح الدولة الفرنسية وتخليق الإدارة العامة من 35 توصية، وهو منشور في أكثر من موقع رسمي في فرنسا لمن يريد الاطلاع عليه تحت عنوان:«La rénovation et la déontologiede la vie publique».السبب الثاني وراء زحف التعقيد على الحياة الخاصة والعامة للمغاربة، وهي كلمة ناعمة لوصف الاختلالات العميقة الموجودة في الدولة، هو عقيدة الإدارة في المغرب، والتي لم تتغير منذ وضعها الاستعمار الفرنسي إلى اليوم.. عقيدة الإدارة وثقافتها مبنيتان على التحكم في حرية المواطن، والشك فيه، والغيرة من نجاحه، والخوف من تحرره، والخشية من فقدان السيطرة عليه، لأن المغربي، منذ أن يولد إلى أن يموت، وهو في قفص الاتهام، وفي حالة سراح مؤقت، وهذا طبيعي لأن إشكالية الديمقراطية لم تحسم بعد… نعم هناك تقدم وهناك تراجع على سلم الانفتاح السياسي، وهناك انفراجات وأزمات في علاقة الدولة بالمواطن، لكن، في المجمل، الإشكالية الرئيسة لم تحل، وهي إشكالية سياسية، ثم تنزل هذه العقدة إلى كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والقانونية والأمنية والقضائية والجبائية والعقارية… لقد جربنا الرأسمالية في الاقتصاد دون الليبرالية في السياسة، وجربنا خوصصة السوق وتأميم صندوق الاقتراع، ولم ننجح سوى في إرساء نموذج هجين لا هو ديمقراطي ولا هو استبدادي، ولهذا يستمر التعقيد في حياتنا إلى إشعار آخر.