عالم تائه وخرائط مبعثرة 

11 ديسمبر 2015 - 23:07

 

نحن في الأيام الأخيرة من عام 2015 نودع 12 شهرا كانت مطبوعة بأسوأ ما عرفته البشرية من مآسٍ وكوارث وخراب… إرهاب كان إقليميا فصار عالميا يهدد البشرية جمعاء، ويلصق التهمة بالإسلام. احتباس حراري يهدد بخنق الحياة فوق الأرض. حرب تلد أخرى، وفوضى تتبع فوضى. قتل على الهوية والمذهب والدين، وكلما ارتفع عدد الضحايا ارتفعت معه عائدات شركات السلاح وأرباح مرتزقة الحرب. ربيع عربي كان محملا بآمال وردية تحول إلى خريف دموي ينشر الرعب، ويجعل من الأمن والاستقرار أولوية على المطلب الديمقراطي. حرب في سوريا واليمن والعراق وليبيا.. لا تريد أن تنتهي، بل هي مرشحة لأن تدخل دولا كبرى إلى دائرتها، مثل روسيا وإيران وتركيا. يمين متطرف عنصري ينبعث في فرنسا ومجموع أوربا، ويصب الزيت فوق نار داعش التي تتحرق لعزل المسلمين في الغرب، وتحويلهم جميعا إلى مشاريع انتحاريين. احتلال في فلسطين يتحول كل يوم إلى ميز عنصري لا سابق له، ومقابله شعب أعزل ومقسم، ونزول دراماتيكي للاهتمام العربي بانتفاضته وبرؤية إسرائيل باعتبارها العدو الأول.. صارت هذه الأخيرة حليفا موثوقا به لدى أكثر من بلد عربي. الهوة تكبر بين الأغنياء والفقراء، والجسور تقطع بين الشمال والجنوب، والذي يدفع فاتورة كل هذه الاختلالات هم الضعفاء، وفي مقدمتهم العرب والمسلمون والأفارقة.

كل سنة تختار مجلة «التايم» الأمريكية شخصية السنة، شخصية أو فكرة أو مشروعا أو مبادرة جيدة أو سيئة. هذا العام كاد أمير المجرمين أبوبكر البغدادي ينتزع لقب شخصية السنة لولا المبادرة الإنسانية التي اتخذتها أنجيلا ميركل، رئيسة الحكومة الألمانية، لاستقبال مئات الآلاف من السوريين المشردين في مياه البحر، وهي الالتفاتة النبيلة التي أثرت في الرأي العام العالمي. لولا أن ميركل وقفت في وجه توحش البغدادي لكان اللقب هذا العام من نصيب العراق. هذا التمرين الإعلامي، وهذا التصنيف الرمزي يعطي المرء فكرة عن أنجع الأساليب لمقاومة الإرهاب. ميركل لم تبعث طائراتها لقصف الرقة، ولا أوفدت جيوشها لإحراق الموصل، ولا فتحت خزائنها لتسليح المعارضة، ومع ذلك هزمت البغدادي في تصويت مفتوح على شخصية سنة 2015 بسلاح واحد.. إنه نبل القيم الإنسانية، الإحساس بآلام الآخرين، تجاوز الأنانية الغربية، مقاومة الخوف من المهاجر واللاجئ والوافد على الحدود، الاستعداد للتضحية وللبذل وللعطاء… أعلنت ألمانيا أنها ستستقبل حوالي 800 ألف لاجئ خلال خمس سنوات، وهو أكبر عدد لاجئين يستقبله بلد أوروبي أو غربي. هذا القرار لم يكن سهلا ولا آمنا ولا شعبيا، ومع ذلك اتخذته المستشارة التي تعمل كثيرا وتبتسم قليلا، وتمشي بين الرجال بدون حقيبة نسائية. ميركل عندما اتخذت قرار فتح بلادها للفارين من نيران الحرب والقتل والبراميل المتفجرة كانت تعرف أن اليمين العنصري سيحرض عليها الناخبين، وأن احتمال تسلل داعشيين وسط اللاجئين وارد، وأن إمكانية تهديد الأمن الداخلي غير مستبعدة تماما، ومع ذلك غلب الإحساس بالمسؤولية الإنسانية هواجس الأمن. لا بد من إعادة التفكير عربيا وعالميا في الدور الذي يلعبه الدين في السلم والحرب، في الاستقرار والفوضى، في الديمقراطية والاستبداد. لنتأمل هذا التشخيص من مقطع في محاضرة غسان سلامة، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة السربون ووزير الثقافة اللبناني السابق. يقول: «يلعب الدين في المجال العام أدواراً مختلفة. فالدين أولاً عقيدة تؤمن بماورائيات فاعلة، وتعتمل فيها نقاشات دائمة حول التفسيرات والاجتهادات، فتنشأ من اختلاف الاجتهادات مدارس متنافسة تستمر عبر القرون، وغالبا ما تتباعد عوض أن تتقارب. والدين أيضاً مؤسسات تعمل للحفاظ على تلك العقيدة، وبالأساس للحفاظ على نفسها وعلى مصالح القيمين عليها. والدين، ثالثا، لغة تعبوية يلجأ إليها البعض حين تتعطل مفردات السياسة، فتسهل له مهام مضاعفة الأنصار وجمع القدرات المالية. والدين أيضا سوق تنافسية بين الأديان والمذاهب والتيارات من أزقة بغداد حتى هضاب إفريقيا. لقد ظهرت وظائف الدين هذه جميعا وبقوة خلال هذه الفترة من الزمن، وتنوعت مسالك الدول منها بين من حاول توظيف تيار منها لمصلحته، وبين من تبنى تياراً منافساً. في المقابل، حاولت الحركات الإسلامية نفسها أن تحتفظ باستراتيجياتها المستقلة عن الدول التي تدعمها… وباتت “داعش” تشكل النموذج الأكبر والأكثر فظاعة لهذا التداخل بين سبل توظيف الدين في النزاعات، مع مشاريع سياسية بحتة لمجموعات مقاتلة، ومع سياسات دول تبحث عن أدوات للوصول إلى مآربها».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواطن من تطاون منذ 5 سنوات

أشكرك اخي بو عشرين الشكر الجزيل على الترجمة باللغة الفرنسية لردي على مقالتك تحت اسم مواطن من تطاون، ودامت لكم الافراح والمسرات والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

mouad abu saàd منذ 5 سنوات

زادك الله توفيق على توفيق أخي توفيق، مقال موفق

مواطن من تطاون منذ 5 سنوات

لي ملاحظات حول ما يحدث من حروب ومآسي انسانية حطبها الاساسي من العرب والمسلمين وغيرهم من الشعوب والأقليات القابعة خاصة في افريقيا وجنوب شرق اسيا وامريكا الجنوبية حتى في عمق دول الغرب المتقدم، وإليك لها كالتالي: 1- ان التفاعلات الشديدة من ردود الأفعال التي نعاينها اليوم في معظم بلدان العالم لاسيما في مناطق الشرق الأوسط وشمال وغرب وشرق افريقيا فضلا عن بعض مناطق الدول المتقدمة سببها الرئيسي تراكمات المعاناة التي لا حد لها الناجمة عن الاستعمار القديم والجديد الذي مارسته الدول الإمبريالية قديما وحديثا وذلك من خلال استنزاف ثروات البلدان المستضعفة المتخلفة سواء الاقتصادية منها او الطبيعية وأعمال معاول الهدم والتخريب في المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية ونظمها حتى تمكن الاستعمار الاوربي ان يتوغل في عمق المجتمع ويؤثر في نظمه الفكرية وتنظيماته الاجتماعية والاقتصادية إلى أن تحولت هذه المجتمعات المتخلفة المستلبة تبني الانظمة الاقتصادية الليبرالية بطريقة مشوهة مما جعلها ملحقات تابعة للدول المتقدمة غير منتجة إنما تستورد البضائع المصنعة الضرورة وتصدر إليها فقط المواد الخام التي تحتاجها الصناعات الغربية باثمان جد رخيصة. وفي المرحلة اللاحقة عندما استقلت البلدان المتخلفة واستوعبت درجة تخلفها ووعت بضرورة تغيير اوضاعها نحو الافضل والاحسن ، اختارت هذه الشعوب بارادتها ادخال اصلاحات خاصة في المجال السياسي متصورة ان تبنيها للديمقراطية كنهج سياسي واجتماعي سيؤدي على مساعدتها على تقويم واصلاح اوضاعها المنتكسة ناسية توالي رسوخ المؤسسات الغربية الربحية ضمن منظومة الحكم العسكري والفردي القهري المتحكمة في إدارات الحكم السياسي المحلي الذي من مهامه الأساسية تنفيذ تعليمات وبرامج المؤسسات الغربية لكي تستمر مصالحها الدائمة في هذه البلدان. ازاء هذا التحكم المفضي الدائم للعبودية غير الانسانية، استفاقت الشعوب العربية وغيرها استفاقة عز نظيرها ، فاتجهت للمطالبة بالإصلاحات السياسية وذلك بدمقرطة الحياة السياسية والمدنية غير ان تحقيق هذه المطالب ذهبت اخيرا في بعض البلدان العربية ادراج الرياح مخافة ان تتمكن حركات الاسلام السياسي السيطرة على مقدرات البلدان وتحقق على ارض الواقع ماعجزت عنه الانظمة المستبدة من اصلاحات وتغييرات عميقة تصب في مصلحة الشعوب التواقة الى بلوغ غد ومستقبل احسن وافضل. غير ان ثورات الربيع العربي اصطدمت بموانع الرفض الخارجي التي تاهبت لمناطحة ومواجهة الانظمة السياسية الجديدة بأية طريقة ولو بالقوة العسكرية وانتهاج أساليب الحصار المالي والاقتصادي حيث طبقت هذه السياسات المتعددة في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا ولو بطرق مختلفة حسب كل بلد عربي.ومن ثم انتقل هذا الصراع بين الغرب والإسلام حتى داخل عمق اوطان الغرب مثل بعض دول أوربا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية التي واجهت الأقليات الاسلامية المعتبرة والإسلام بالعنف والتشويه حتى توجه سهام تهمة الإرهاب والعنف للمسلمين فقط دون اتهام الحكومات الغربية بالمس بحقوق المسلمين وتبريتها من تهمة العنف وإرهاب الدولة. 2- الملاحظة الثانية تتمثل في كون الغرب مماليء للإسلام و مقزم للشخصيات الاسلامية الفذة المتالقة ، وهذا ما ارتكبته المجلة الامريكية تايم عندما اختارت شخصية هذه السنة رئيسة الحكومة الألمانية ميركل التي تتقن اللعبة السياسية داخل بلدها وداخل الاتحاد الاوربي وسكتت سكوت الابكم ما ارتكب من مجازر دامية فب بلاد مصر وسوريا واخذت تناور مناورة الذيب في قضية اللاجئين السوريين حتى ظهرت اخيرا بجائزة أحسن شخصية السنة، فبدل أن تمنح الجائزة لرئيس تركيا اردوغان الذي يستحقها احسن استحقاق بفضل ما قام به من اعمال جد جليلة انسانية التي يشهد عليها العالم في حق السوريين الذين اواهم داخل وطنه وانفق عليهم المال الكثير الذي تقدر قيمته حاليا باكثر من تسعة ملايير من الدولارات وما سينهض به ايضا بالاتفاق مع الاتحاد الاوربي بايوايهم في المناطق الامنة على الحدود التركية السورية. ومن غرايب مظاهر النفاق والتامر لدى الغرب ضد الشخصيات الاسلامية المتميزة ان كادت مجلة تايم الامريكية ان تمنح لقب شخصية السنة لامير المجرمين من الطغاة أبي بكر البغدادي ، فأعتقد أن هذه المجلة الامريكية ناورت الرأي العام العالمي والإعلامي بهذه الحيلة حتى لا تمنح شخصية السنة لرئيس تركيا اردوغان، فلو اختارت المجلة شخصية السنة أبي بكر البغدادي لانتقد العالم هذا الاختيار انتقادا مرا الذي يتناقض انتقاضا كبيرا وصورة العالم الغربي الذي يزعم انه مناصر للديمقراطية وحقوق الإنسان.

مصطفى عدنان منذ 5 سنوات

ابعد مدى يستطيع ان يصله استغلال الدين في السياسة هو تدمير من قام بهدا التوظيف بعد ان يكون عاث خرابا ودمارا في العالم. لهدا نستنتج ان الدين يختزل كل التفاعلات الثقافية والفكرية للانسانية حمعاء مند بدا الانسان كل هدا ممزوج بكل الغرائز الرهيبة التي يختزنا الانسان ككائن بالطبع باني ومشيد ولكن مدمروكاسر وو حشيته ليس لها حدود.

SAMIR2 منذ 5 سنوات

قريبا سينزل هذا العام الى الماضي وتنزل معه حصيلة ثقيلة من التوحش والاجرام لم يسبق للبشرية أن رأت مثلها منذ أن هبط ادم من الجنة الى الارض..حصيلة كارثية لهذه السنة..جثث متفحمة وأخرى ملقاة على أرصفة العالم..رؤوس مقطوعة وقنابل فتاكة تعرف كيف تدمر كل شيئ وبشكل جيد..لاجئون يموتون في البحار وصحفيات غربيات يعرقلن اباء سوريين وهم محمليين بأبنائهم في رحلة غريبة بحثا عن السلام ..أمواج تلقي بجثث الاطفال على السواحل ..حروب مشتعلة تتقاتل فيها الامراطوريات على مصالحها باستخدام أدوات عربية لم تقرر الطبيعة بعد في صحة انتمائها الى الجنس البشر..اعلام متحامل يحرف الحقائق ويلمع الباطل..محاكمات تطبخ هنا وينطق بها هناك..مناخ ينزف اعتداله ..غزوات جديدة باسم الحضارة..ديكتاتوريات شائخة تنقض على زهور الربيع العربي لتجعل منه شتاء دمويا مظلما..ارحل يا هذا العام الاسوأ..اهبط الى النسيان لكي نقامر جميعا باستقبال سنة اخرى يعلم الله ما هي الطريقة التي سيتم اعتمادها لحصد مزيد امن الارواح البريئة في غابة كثيفة اسمها الكوكب الازرق يتقاتل فيها السباع عن الظفر بأكبر عدد ممكن من العرب والاراضي العربية والبترول العربي والمصير العربي المشترك!!!..قريبا يرحل هذا العام في ليلة رأس السنة ..قريبا تغرق السماء في الشهب النارية والمفرقعات ودوي الانفجارات القوية التي تقطن فوق رؤوس الابرياء..قريبا نشرب الشمبانيا في ليلة الوداع ونسكر حد الثمالة!!ونصطف في طوابيير المراحييض لاستنشاق الكوكاكيين!!ونتبول في الشوارع دون أن يزعجنا أحد..ونسهر في المراقص حتى مطلع العصر!!ثم ننسى هذه السنة وننخرط في سنة جديدة بنفس الانياب القديمة!!وبدرجة أكبر من الانانية وثقافة الذئب..ننسى أن الحياة عبارة عن جسر معلق في الفضاء نمر عليه جميعا الى مكان اخر..زمن الرحلة مقسم على أعمار الجميع وهذه الاعمار مقسمة على المدد الزمنية التي يقطعها كل كائن نحو حتفه!!..نحن على جسر..وكل عام نترك من جزأ من أرواحنا دون شعور وحدهم العقلاء يعرفون أن نهاية السنة تعني اقتراب الاجال ..ارحل يا هذا العام الاسوأ لقد أضحكت علينا العصر الحجري!!!

التالي