توفيق بوعشرين:ديمقراطيون من دون ديمقراطية

26 ديسمبر 2015 - 22:16

في تسعينيات القرن الماضي، انتشرت مقاربة سياسية في العالم العربي تقول باحتمال ميلاد الديمقراطية من دون ديمقراطيين، نتيجة المأزق الذي وصلت اليه النخب الحاكمة في العالم العربي، نخب تعرت، صارت بدون غطاء قومي او تحرري او وحدوي او تنموي، ونتيجة لهذا المأزق، وبسبب تحرير الاقتصاد واتساع الخوصصة وبروز بوادر تهديدات جدية للسلم الاجتماعي في جل الدول العربية والمغاربية، التي وصلت بهذه الطريقة او اخرى الى السكتة القلبية ، لكل هذه العوامل وغيرها ظهرت هذه المقاربة السياسية، التي كانت تتوقع ان تولد تجارب ديمقراطية في العالم العربي حتى دون وجود ديمقراطيين، لان مأزق الشرعية الذي أصبحت تتخبط فيه النخب الحاكمة، لن يترك أمامها من طريق للخروج من الورطة سوى سلوك سبيل انتقال ديمقراطي تدريجي، حتى مع وجود فقر في الثقافة الديمقراطية وخصاص في النوع الديمقراطي وسط النخب السياسية ، للأسف هذه النظرية لم تتحقق في الواقع، بحيث ان جل الأنظمة العربية لم تتجه الى انفتاح ديمقراطي جدي لكي تجيب على اشكالية المشروعية في نظام حكمها بل ، اتجهت الى مزيد من القمع والتحالف مع الغرب واعادة انتاج قاعدة جديدة للحكم، عمادها مثلث من ثلاثة أضلع وهي : الاعتماد على الامن والمخابرات لخنق المجتمعات وقتل مقاومة الاستبداد في المهد بالعصا والجزرة والخوف والاختراق والتدجين ، الضلع الثاني هم رجال الاعمال الذين يحتاجون السلطة ونحتاجهم السلطة باعتبارهم نخب اقتصادية نافذة وموثرة ، والحليف الثالث في هذا الضلع غير المقدس، هي وسائل الدعاية السوداء والإعلام الموجه والصحافة التي باعت روحها للشيطان ، والباقي شعارات تخيف الغرب من تطرف المجتمعات العربية والمغاربية وتخيره بين أنظمة علمانية استبدادية او معارضة اصولية ارهابية…
يظهر المؤشر العربي لهذه السنة، للمرة الرابعة على التوالي، ان الشعوب العربية ديمقراطية اكثر من نخبتها، بحيث كشف استطلاع رأي ينجزه المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، ان 89٪‏ من المستجوبين العرب، والمغاربة من بينهم، في 12 بلد عربي اعطوا تعريفات صحيحة وذات مضمون ليبرالي لكلمة الديمقراطية، فرأى البعض فيها انها ضمانة للحرية السياسية (35% ) وأفاد (26%) بان الديمقراطية تعني ضمان المساواة والعدل بين المواطنين، فيما رأت (12% )ان الديمقراطية طريق لتحقيق الامن والاستقرار والتنمية الاقتصادية، هذه النسب العالية في فهم واستيعاب مدلول الديمقراطية داخل عينة تمثيلية وصلت إلى 18311 ، ستتعزز اكثر عند سوْال المستجوبين عن رأيهم في النظام الديمقراطي، حيث عبر( 79%‏ )من الرأي العام العربي والمغربي عن تأييده للنظام الديمقراطي، واعتباره هذا النظام الأكثر ملاءمة لحكم بلدانهم مقارنة بالانظمة الاخرى، كما رفض المواطنون العرب المشاركون في هذا الاستطلاع، نظام الحكم السلطوي سواء أكان علمانيا ام دينيا، ولم يلتفتوا الى الغطاء الذي تلبسه السلطوية أكان غطاء ايديولوجيا (حداثيًّا) او غطاء دينيا (ربانيا ).
اما عن القبول بنتيجة الاقتراع حتى وان حملت الانتخابات احزاب وأشخاص لا يقاسمها المستجوبون توجهاتها او ايديولوجيتها واختياراتها، فقد أعلن (55٪‏ ) عن تأييدهم لوصول حزب سياسي عبر الانتخابات الى السلطة، حتى وان لم يكونوا على وفاق مع توجهاته او أيديولوجيته، وهذا مستوى متقدم من قبول نتائج الانتخابات بالنسبة لمواطنين لا تعيش في أنظمة ديمقراطية بل تسمع عنها فقط ، مواطنون يعيشون في بلدان سلطوية ومع ذلك تجد55٪‏ يعلنون انهم ملتزمون بقاعدة الأغلبية والأقلية ولا يَرَوْن مانعا من ان يحكمهم بصناديق الاقتراع من يختلفون معه في الراي او السياسة او توجهات الحكم …
عبر المشاركون في هذا الاستطلاع عن معرفة ليس فقط بأدبيات الديمقراطية، بل وكذلك عن وعي متقدم بالواقع الذي يعيشونه، حيث لم تعتبر أغلبية العينة المستجوبة ان بلدانها تعيش في ظل أنظمة ديمقراطية كاملة …
اما عن (الكليشيه ) المبتذل الذي يلصق بالشعوب العربية تهمة الخلط بين الدين والسياسة وان العرب والمغاربيين لا يعرفون طريقا الى السلطة غير طريق المسجد و الدين وخلط السياسة بالعقيدة، فقد جاءت نتائج المؤشر العربي متناقضة كليا مع هذا الفهم السطحي لاحوال العرب، فأغلبية الراي العام ترفض ان يؤثر رجال / شيوخ الدين في قرارات الحكومات وفي كيفية تصويت الناخبين، كما ان الأكثرية ترفض ان تقوم الدولة باستخدام الدين للحصول على تأييد الناس لسياساتها، وترفض ايضا ان يستخدم المرشحون في الانتخابات الدين من اجل كسب أصوات الناخبين، هذا على الرغم من ان الأغلبية في هذا الاستطلاع تعرف نفسها كشريحة متدينة او متدينة جدا .
هذه النسب العالية من التأييد للديموقراطية وقيمها لا توجد اليوم حتى في بعض البلدان الأوروبية، التي صارت الشعبوية والعنصرية والقومية المتعصبة تنتعش داخلها وتبعدها عن جوهر الممارسة الديمقراطية، وهذا ما يفسر شيئين : اولا زيادة الطلب على التغيير والإصلاح السياسي في الشارع العربي سواء عبر الثورات او مسارات التغيير الهادئ ، ثانيا ان انتشار الثقافة الديمقراطية في المجتمعات العربية على هذا النحو غير المسبوق هو ما يحرض الأنظمة السلطوية على مواجهة الربيع العربي بكل وسائل القمع حتى البدائية منها، كما حدث امس في مصر واليمن وسوريا وغيرها ،فأحسن واحد يقرا مؤشرات الشارع العربي كل صباح (بطريقة جيدة) هي أنظمة الحكم الاستبدادية التي تعتبر حجة في هذا الباب .

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عبو الريح منذ 6 سنوات

لعل الديمقراطية فصلت من اجل الغرب اما نحن بوزبال فقد خلقنا لنتجمع بالمزمار ونتفرق بالزرواطة اما الحديث عن الديمقراطية فهي مجرد شعارات للتسويق الخارجي من اجل تلميع الصورة قصد الحصول علبى المساعدات

موحى منذ 6 سنوات

كلامك صحيح الى حد بعيد. المجتمعات العربية يغزوها النفاق. قبل ان نتحدث عن الديمقراطية في بلد ما يجب ان ان تحدث عن المشروع المجتمعي اي اي مجتمع نريد وكيف يكون مجتمع ما يسوده الوعي ويكون فيه مواطنون يعون معنى المواطنة ومعنى حرية الاخر دون نفاق. لا يجب ان نكدب على انفسنا فالعرب حين تتوغل في تفاصيل الحرية يواجهونك باسلامية البلد وحين يتعلف الامر بالمصلحة فالفرد يدوس على الاخرين لاجل تحقيقها. الجواب ليس باستطلاعات الراي بل بالدراسات وعلم الاجتماع الميداني.

علي ايت الحاج منذ 6 سنوات

العرب ليسوا ديمقراطيين سواء تعلق الامر بالحكام او المواطنين لان استطلاعات الراي ليس مؤشرا على الديمقراطية لاننا نقول كلاما نتبع فيه ما يكتب في الجرائد لا غير اما اذا تعلق الامر بمصالحنا فاننا نتخلى عن الديمقراطية يعني يكفي ان اتضرر انا كي اعارض اية ديمقراطية.

محماد منذ 6 سنوات

الدمقراطية لاتأتي بين يوم وعشية بل بأجيال وأجيال والممارسة هي التى ترسي قواعد اللعبة لان الامر يتطلب تغيير عقليات والعقلية ووجب اقتناعها بالفعل لا بالقول اما الاماني فدئما تكون فوق الواقع.

Tahir منذ 6 سنوات

تحليل ووجهة نظر نسبيا تعكس جزء من الحراك نحو الديمقراطية لكنك في تحليلك متحيز لفءة من المجتمع وتركت الفءة الكبرة في دول المغرب الكبير وهم الامازيغ كم نسبة العرق العربي في هذه الدول والديمقراطيون لا ينحزون لطرف على طرف يكون محايد لا يخدم اجندة نظام معين اريد فقط ان اصحح ما تكتبه الصحافة المغاربية التي تتغنى بالديمقراطية والمهنية من ليبيا الى المحيط الأطلسي ليس هناك عرق عربي إنما هناك مستعربين ويجب ان ننصف المغاربة على الأقل في كتاباتنا الصحفية وشكرا

مواطن من تطاون منذ 6 سنوات

في مرحلة الخمسينات والستينيات السبعينيات من القرن العشرين اخترقت تيارات اشتراكية وشيوعية وقومية المجتمعات العربية لطرحت نفسها كنماذج للاصلاح والتغيير نحو الاحسن والافضل وذلك نتيجة ما كان يعانيه الانسان العربي من تخلف وتبعية شاملة افقدته توازنه الروحي والفكري وجعلته يجتر مذاهب غيره ليتاسى نموذجها التنموي والتقدم الاقتصادي والاجتماعي،مما نتج عن هذه الاختراقات الأيديولوجية لمجتمعاتنا العربية تغييرات في الأنظمة السياسية عجزت عن تغيير أوضاعنا الفاسدة في جل مستويات الحياة مما زاد الطين بلة ان الأنظمة التقدمية مارست تحكما شموليا على شعوبها وادخلت شعوبها في صراعات داخلية وخارجية انتهت اخيرا في حضيض سحيق من التخلف بكل أنواعه واشكاله، مما أعطى ذلك للأنظمة الليبرالية ان تقدم نفسها كبديل إيديولوجي ونموذج اقتصادي يقوم على الحرية والمنافسة يسعى لتحقيق تطور اقتصادي وارتقاء في الحياة الاجتماعية ، فبدل أن تبدأ الشعوب العربية بتحديث أنظمتها السياسية وبنائها على نسق النظام الديمقراطي الذي يمنح الشعوب باختيارها وارادتها الحرة على اختيار حكامها وإقامة مؤسسات برلمانية ، اتجه المسار السياسي غير المعقلن الى تطبيق الليبرالية المتوحشة في اقتصادياتها مما اوقع الدول العربية المنهكة القوى في ازمات اقتصادية وانعكاساتها المزمنة على الاوضاع الاجتماعية واستتباع المؤسسات المالية والاقتصادية لهذه الدول لنوع من الوصاية السياسية من قبل المؤسسات الدولية الداينة. من ثم أصبحت الأنظمة السياسية العربية بحكم خضوعها الكامل للغرب الرأسمالي فريسة للتحكم والهيمنة الخارجية لاسيما من الدول المستعمرة لها سابقا ، مما خلق هذه الحالة السيئة القابلية لدى الشعوب العربية ان تنتفض ضد حكامها مطالبة تحقيق آمالها في نيل الحرية والكرامة وتحقيق الديمقراطية والتحرر من ربقة الاستعمار غير المباشر الذي تمكن ان يتغلغل ويتحكم بكل قوة في مؤسسات الانظمة العربية التي مكنتها من الاستحواذ عل خيراتها ومقدراتها المادية والاستراتيجية. بعد انتفاضات الربيع العربي في مجموعة من الدول العربية التي ناهضت الشعوب العربية عن بكرة أبيها الانظمة البوليسية الاستبدادية ، يتساءل المرء هنا حقيقة عن المرحلة السياسية الاستباقية التي ينبغي ان يفكر الإنسان العربي في ان يخلقها ويعمل على تخليقها حتى لا تضيع عنه بالمرة كل ما كان يطمح إليه من آمال و تحقيق مستقبل زاهر لاجياله المقبلة، ايعمل الانسان العربي لتحقيق التغيير والاصلاح على اساس ثورة ناعمة تنبني على الديمقراطية الحقيقية وبناء مؤسسات محترمة، ام يعمل على تعبئة الجماهير روحيا ومعنويا من اجل تحقيق التغيير المطلوب والمقدر؟

واحد من الناس منذ 6 سنوات

الدول الراسخة في الديمقراطية طورت مؤسسات متعددة تترصد اي نزوع نحو التحكم من اي مكون في المجتمعات وهي بذلك تعوض لامبالاة فئة كبيرة من مواطنيها جراء "التخمة الديمقراطية " المستجوبون كالجائع يشتهي الطعام الذي عند الاخر المتخم طبيعي ان يتخيله لذيذا ويتعهد باحترام اداب الاكل ان حصل عليه اما عن كون ان المتدينين يرفضون اقحام الدين في السياسة فلا يقبله عقل , ببساطة لانهم يعتقدون ان الدين يجب ان يحكم كل تفاصيل الحياة. الاستبداد مكون اساسي في الثقافة السائدة فالنخب الحاكمة في الدول المذكورة جاءت من قاع المجتمع

M.KACEMI منذ 6 سنوات

يا ليت نتائج الاستطلاع إياه تنسحب على الواقع عند المحك. إذ أن ما رأينا ه في مصر وتونس وليبيا بعد ثوراتهم هو انقلاب على الديمقراطية، برفض الوضع الذي أفرزته صناديق الاقتراع، وتبين بالتالي أن إشكال الثقافة الديمقراطية في عالمنا العربي لا زال مطروحا بحدة