هذه أقوى الكلمات في خطابات الملك محمد السادس في 2015

31 ديسمبر 2015 - 17:11

يكاد يجمع أغلب المحللين والمتابعين على أن خطابات الملك في السنتين الأخيرتين حملت نفسا نقديا واضحا، بلغة مباشرة وقوية، خرجت عن المألوف في الخطابات الملكية التي تعتمد “التكثيف” و”التلميح” أكثر من التصريح، أو تتكلم في العموميات والقضايا الاستراتيجية دون التعرض للتفاصيل أو النواقص والسلبيات.

وخطابات الملك في 2015 نسجت على نفس المنوال، إذ كانت صارمة وقوية وتناولت قضايا بعينها بكل حزم، بل كانت لغتها المباشرة مفاجئة، حتى تحدث كثيرون عن “الملك المعارض”، لأن خطاباته حملت رسائل نقد وتوبيخ ومكاشفة غير مسبوقة.
خطاب العرش: الفقر والقناصلة والتعليم
في خطاب العرش، الذي ألقي في الثلاثين من يوليوز الماضي، تحدث الملك عن الفقر في المغرب والفئات المهمشة، وذكر أنه “لا أريد أن أتكلم هنا عن المنجزات، ولا أهتم بالحصيلة والأرقام فقط. لأن كل ما تم إنجازه، على أهميته، يبقى غير كاف لبلادنا، ما دامت هناك فئة تعاني من ظروف الحياة القاسية، وتشعر بأنها مهمشة، رغم كل الجهود المبذولة (..) طموحنا من أجل إسعاد شعبنا ليس له حدود. فكل ما تعيشونه يهمني: ما يصيبكم يمسني، وما يسركم يسعدني. وما يشغلكم أضعه دائما في مقدمة انشغالاتي”.
وفي الخطاب ذاته وجه العاهل المغربي نقدا لاذعا لعمل بعض القناصلة المغاربة في الخارج، حيث ذكر: “وقفت، خلال الزيارات التي أقوم بها إلى الخارج، وعندما ألتقي ببعض أفراد جاليتنا بأرض الوطن، على انشغالاتهم الحقيقية وتطلعاتهم المشروعة. وقد كنا نعتقد أنهم يواجهون بعض الصعوبات داخل المغرب فقط. بل إن عددا منهم يشتكون، أيضا، من مجموعة من المشاكل في تعاملهم مع البعثات القنصلية المغربية بالخارج”، قبل أن يوجه الخطاب مباشرة إلى القناصلة بقوله: “بعض القناصلة (..) ينشغلون بقضاياهم الخاصة أو بالسياسة. وقد عبر لي عدد من أبناء الجالية عن استيائهم من سوء المعاملة ببعض القنصليات، ومن ضعف مستوى الخدمات التي تقدمها لهم، سواء من حيث الجودة أو احترام الآجال أو بعض العراقيل الإدارية”.
وأمر الملك بالمناسبة ذاتها بإنهاء مهام كل من يثبت في حقه التقصير أو الاستخفاف بمصالح أفراد الجالية أو سوء معاملتهم، كما “يجب الحرص على اختيار القناصلة الذين تتوفر فيهم شروط الكفاءة والمسؤولية، والالتزام بخدمة أبنائنا بالخارج”.
وفي الخطاب ذاته تطرق الملك لإصلاح التعليم، حيث تساءل: “لماذا يتسابق العديد منهم لتسجيل أبنائهم بمؤسسات البعثات الأجنبية والمدارس الخاصة رغم تكاليفها الباهضة؟”، ليجيب: “لأنهم يبحثون عن تعليم جيد ومنفتح يقوم على الحس النقدي، وتعلم اللغات، ويوفر لأبنائهم فرص الشغل والانخراط في الحياة العملية”.
وشدد محمد السادس على أن “إصلاح التعليم يجب أن يظل بعيدا عن الأنانية، وعن أي حسابات سياسية ترهن مستقبل الأجيال الصاعدة، بدعوى الحفاظ على الهوية. فمستقبل المغرب كله يبقى رهينا بمستوى التعليم الذي نقدمه لأبنائنا”.

 

خطاب ثورة الملك والشعب: صوّت
ولأن خطاب ثورة الملك والشعب، الذي وافق العشرين من غشت، أتى في سياق تحضير المملكة لأول انتخابات جماعية تجري في ظل الدستور الجديد، كما أنها أول انتخابات ستعطي انطلاقة الجهوية التي تبناها المغرب، فقد أفرد لها الملك محمد السادس حيزا مهما، بحيث تحدث بشكل مباشرة إلى المواطنين محملا إياهم المسؤولية في اختياراتهم، قبل أن يتوجه بالنقد للمنتخبين، حيث قال: “إذا كان عدد من المواطنين لا يهتمون كثيرا بالانتخابات ولا يشاركون فيها، فلأن بعض المنتخبين لا يقومون بواجبهم على الوجه المطلوب. بل إن من بينهم من لا يعرف حتى منتخبيه. وهنا يجب التشديد على أن المنتخب كالطبيب والمحامي والمعلم والموظف وغيرهم، يجب أن يشتغل كل يوم. بل عليه أن يعمل أكثر منهم، لأنه مسؤول على مصالح الناس، ولا يعمل لحسابه الخاص. غير أن هناك بعض المنتخبين يظنون أن دورهم يقتصر على الترشح فقط. وليس من أجل العمل. وعندما يفوزون في الانتخابات، يختفون لخمس أو ست سنوات، ولا يظهرون إلا مع الانتخابات الموالية”.
وبلغة حازمة أبرز الملك أن “التصويت لا ينبغي أن يكون لفائدة المرشح الذي يكثر من الكلام، ويرفع صوته أكثر من الآخرين، بشعارات فارغة أو لمن يقدم بعض الدراهم، خلال الفترات الانتخابية، ويبيع الوعود الكاذبة للمواطنين. فهذه الممارسات وغيرها ليست فقط أفعالا يعاقب عليها القانون، وإنما هي أيضا تعبير صارخ عن عدم احترام الناخبين”.
وخاطب الملك المواطنين بأن التصويت حق وواجب وطني، وأمانة ثقيلة يجب أداؤها، “فهو وسيلة بين أيديكم لتغيير طريقة التسيير اليومي لأموركم، أو لتكريس الوضع القائم، جيدا كان أو سيئا. وخلاصة القول، فإن السلطة التي يتوفر عليها المواطن، للحفاظ على مصالحه، وحل بعض مشاكله، ومحاسبة وتغيير المنتخبين، تتمثل في كلمة واحدة من ثلاثة حروف “صوت””.

 

خطاب المسيرة.. خطاب تاريخي
ألقى الملك محمد السادس، في السادس من نونبر، خطابا قويا بمناسبة المسيرة الخضراء، وكان مليئا بالرسائل القوية للداخل والخارج، خاصة وأنه بث من مدينة العيون، التي حل بها لإطلاق مشروع تنموي ضخم يستهدف الصحراء.
الملك افتتح خطابه التاريخي بالتأكيد على أنه “بعد أربعين سنة، بإيجابياتها وسلبياتها، نريد إجراء قطيعة حقيقية مع الأساليب المعتمدة في التعامل مع شؤون الصحراء: قطيعة مع اقتصاد الريع والامتيازات، وضعف المبادرة الخاصة، وقطيعة مع عقلية التمركز الإداري”، قبل أن يتساءل: “لماذا اليوم، وبعد أربعين سنة؟”، ليجيب: “لأننا بعد سنوات من التضحيات، ومن الجهود السياسية والتنموية، قد وصلنا إلى مرحلة النضج. ولأننا وفرنا الشروط لإطلاق مرحلة جديدة على درب توطيد الوحدة الوطنية، والاندماج الكامل لأقاليمنا الجنوبية في الوطن الأم”.
وابرز الملك أن “الصحراويين معروفون، منذ القدم، بأنهم كانوا، دوما، رجال تجارة وعلم، يعيشون من جهدهم، بكرامة وعزة نفس. ولا ينتظرون المساعدة من أحد، رغم قساوة الظروف. إننا نتكلم عن أبناء الصحراء الحقيقيين، الوطنيين الصادقين، الذين ظلوا أوفياء لروابط البيعة التي تجمعهم وأجدادهم، عبر التاريخ بملوك المغرب. أما الذين ينساقون وراء أطروحات الأعداء ويروجون لها، رغم قلتهم، فليس لهم مكان بيننا. ومن تاب ورجع إلى الصواب، فإن الوطن غفور رحيم”.
وبما أن المناسبة شرط، فقد تناول محمد السادس قضية الصحراء، بتوجيه الخطاب إلى المنتظم الدولي، إذ شدد على أن “المغرب إذا وعد وفى، قولا وفعلا، ولا يلتزم إلا بما يستطيع الوفاء به. وبذلك فإننا نوجه رسالة إلى العالم: نحن لا نرفع شعارات فارغة ولا نبيع الأوهام، كما يفعل الآخرون، بل نقدم الالتزامات ونقوم بالوفاء بها، وبتنفيذها على أرض الواقع”.

كما تطرق لأوضاع ساكنة تندوف بالجزائر، وقال إنها ما تزال تقاسي من الفقر واليأس والحرمان، وتعاني من الخرق المنهجي لحقوقها الأساسية، “وهو ما يجعل التساؤل مشروعا: أين ذهبت مئات الملايين من الأورو التي تقدم كمساعدات إنسانية، والتي تتجاوز 60 مليون أورو سنويا، دون احتساب الملايير المخصصة للتسلح ولدعم الآلة الدعائية والقمعية للانفصاليين؟ كيف يمكن تفسير الغنى الفاحش لزعماء الانفصال الذين يملكون العقارات ويتوفرون على حسابات وأرصدة بنكية بأوروبا وأمريكا اللاتينية؟ ولماذا لم تقم الجزائر بأي شيء من أجل تحسين أوضاع سكان تندوف الذين لا يتجاوز عددهم 40 ألفا على أقصى تقدير، أي حي متوسط بالجزائر العاصمة؟ وهو ما يعني أنها لم تستطع أو لا تريد أن توفر لهم طيلة أربعين سنة حوالي 6000 سكن، يصون كرامتهم بمعدل 150 وحدة سكنية سنويا. ولماذا تقبل الجزائر التي صرفت الملايير في حربها العسكرية والدبلوماسية ضد المغرب بترك ساكنة تندوف في هذه الوضعية المأساوية واللاإنسانية؟”.

وأبرز العاهل المغربي أن “التاريخ سيحكم على الذين جعلوا من أبناء الصحراء الأحرار الكرام متسولين للمساعدات الانسانية. كما سيسجل عنهم أنهم استغلوا مأساة مجموعة من نساء وأطفال الصحراء وحولوهم إلى غنيمة حرب، ورصيد للاتجار اللامشروع ووسيلة للصراع الدبلوماسي”.

وسأل سكان المخيمات: “هل أنتم راضون على الأوضاع المأساوية التي تعيشونها؟ وهل تقبل الأمهات بمشاعر اليأس والإحباط لدى أبنائهن والأفق المسدود أمامهم؟”، ليرد: “أنا لا أرضى لكم هذا الوضع اللاإنساني. أما إذا رضيتم به، فلا تلوموا إلا أنفسكم، وأنتم تشاهدون المغرب يقوم بتنمية أقاليمه الجنوبية وتوفير الكرامة والعيش الحر لسكانها”.

وحول مسار المفاوضات وتصورات الحل، ذكر الجالس على العرش أنه “مخطئ من ينتظر من المغرب أن يقدم أي تنازل آخر. لأن المغرب أعطى كل شيء. أعطى من أرواح أبنائه، دفاعا عن الصحراء. فهل يجب علينا أن نقدم المزيد، كما تريد بعض المنظمات الدولية، وغير الحكومية؟ إننا نعرف خلفيات هذه المواقف المعادية، التي تريد تقسيم البلاد. ونعرف أنه ليس من حقها التدخل في شؤون المغرب”.

 

الملك في البرلمان.. الرقي بالخطاب السياسي

بعد أن وضعت الانتخابات الجماعية والجهوية أوزارها، كان للملك موعد مع افتتاح الدورة التشريعية الأخيرة في هذه الولاية، فكان لما جرى خلال الانتخابات حضور في كلام الملك الموجه للنواب داخل الغرفتين، حيث ذكر أنه “لا يجب أن نعتبر أن الأمر قد انتهى. إن الانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما هي البداية الحقيقية لمسار طويل ينطلق من إقامة المؤسسات وإضفاء الشرعية عليها”.

وخاطب المنتخبين بالتأكيد على أن “تمثيل المواطنين أمانة عظمى على المنتخبين والأحزاب أداءها، سواء بالوفاء بوعودهم تجاه الناخبين أو من خلال العمل على الاستجابة لانشغالاتهم الملحة. وهي مسؤولية وطنية تقتضي من الجميع الارتفاع إلى مستوى اللحظة التاريخية التي تعيشها بلادنا.
وأوضح أن “الأشخاص كيفما كانوا فهم راحلون، أما المؤسسات فهي دائمة. وهي الضمانة الحقيقية لحقوق المواطنين، وللخدمات التي يحتاجون إليها، والتي لا نقبل أن تكون رهينة أهواء الأشخاص ورغباتهم”.
وبعد تنامي الخطابات السياسية التي شككت في أداء السلطات المشرفة على سير العملية الانتخابية، قال محمد السادس إنه يرفض الاتهامات، التي وصفها بـ”الباطلة” والموجهة للسلطات المختصة بتنظيم الانتخابات، “فالضمانات التي تم توفيرها تضاهي مثيلاتها في أكبر الديمقراطيات عبر العالم، بل إنها لا توجد إلا في قليل من الدول. وبطبيعة الحال فإن من يعتبر نفسه مظلوما، بسبب بعض التجاوزات المعزولة التي تعرفها عادة الممارسة الديمقراطية، فيبقى أمامه اللجوء إلى القضاء”.
وانتقد بشكل قوي الخطاب السياسي بين مختلف الفاعلين، مشددا على أنه “رغم كل الجهود المبذولة، فإن الصورة التي تبقى في ذهن عدد من المواطنين هي الصراعات والمزايدات بين الاغلبية والمعارضة، داخل البرلمان أحيانا، وفي بعض التجمعات الحزبية، وحتى في وسائل الإعلام”، منبها إلى أن “التوجه نحو الصراعات الهامشية يكون دائما على حساب القضايا الملحة والانشغالات الحقيقية للمواطنين، وهو ما يؤدي إلى عدم الرضى الشعبي على العمل السياسي بصفة عامة، ويجعل المواطن لا يهتم بالدور الحقيقي للبرلمان”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.