توفيق بوعشرين: انتهى الكلام

08 يناير 2016 - 22:26

الحلول البسيطة للمشاكل المعقدة غالبا من تنتج مشاكل جديدة أكثر تعقيدا وأكثر خطورة، وهذا ما نحن مقبلون عليه في موضوع منع المكالمات الهاتفية عبر النيت، وحظر الكلام في تطبيقات واسعة الشعبية مثل «واتساب»، «فايبر»، و«سكايب»… القرار نزل كالصاعقة على رؤوس ملايين الشبان والشابات الذين يتواصلون عبر تقنية la voix sur IP، لكن المتضرر أكثر ليس فقط شباب التكنولوجيا الحديثة، بل الاقتصاد الرقمي الحديث في مغرب يصارع للخروج من جبة التقليد التي تخنق تطور البلاد وعصرنتها.
أي كان من اتخذ قرار المنع هذا، الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات أو شركات الاتصالات فهو قرار غبي وجبان وسلطوي. لماذا؟
غبي لأنه استعمل «عصا المنع» لحل مشاكل الاقتصاد التقليدي الذي لا يريد أن يطور نفسه وعقليته في مواجهة الاقتصاد الحديث. هذا القرار، رغم كارثيته، لن ينفع في شيء لأن التطبيقات المحظورة ستلتف على قرار المنع السلطوي بطرق جديدة. هل يعتقد أصحاب هذا القرار أنهم أذكياء، وأن فرنسا وإسبانيا إنجلترا وأمريكا وتركيا لا تعرف هذا السلاح لهذا تركت شركات الاتصالات عندها تعتمد على نفسها لمواجهة المنافسة الشرسة للواتساب وأخواتها؟
إن الذي مازال متشبثا بنظرية السيادة الجغرافية على حدوده، في زمن ثورة الاتصالات العابرة للحدود والثقافات والدول والخصوصيات والقوانين، هو يعيش في وهم كبير ومكلف في الآن نفسه… هل تذكرون الضجة التي قامت في المغرب بعد دخول Google maps، وكيف أن عباقرة التيار الجامد (ولا أقول المحافظ) تصدوا لهذه التقنية باعتبارها ستنتهك خصوصية البنايات السيادية في المملكة الشريفة، وستوظف للتجسس على المخزن وأعوانه؟ اليوم 23 مدينة مغربية موجودة، بشوارعها وأزقتها ودروبها، على هذه الخريطة العالمية لغوغل، واليوم يستطيع أي شاب عمره 14 سنة في الدار البيضاء أن يدخل على موقع غوغل للخرائط، ويعرف زحمة الطريق في شارع المسيرة أو عين الذئاب، أو غيرها من شوارع المملكة، وهي المعلومة التي لا يملكها وزير الداخلية المغربي، ولا وزير النقل، ولا قائد المقاطعة، ولا مقدم الحومة.
لماذا قرار منع الكلام المجاني عبر تطبيقات «واتساب» و«فايبر» و«سكايب» جبان؟ لأنه قرار خضع لضغط شركات الاتصالات الكبرى التي لم تطور لائحة خدماتها لتتكيف مع تطور السوق، وموجة التحولات التي يعرفها قطاع الاتصالات في العالم في زمن العولمة. السيد عز الدين المنتصر بالله.. عوض أن يقنع الشركات الثلاث (اتصالات المغرب وميديتل وإينوي) بأن عليها أن تتكيف مع سوق الاتصالات، وأن تبحث عن نموذج اقتصادي جديد، وأن تطور لائحة خدماتها للزبائن، وألا تبقى رهينة النموذج القديم الذي يبيع الكلام بثمن أغلى من الماء.. عِوَض أن يستحضر المصلحة العامة، وضرورة تطوير الاقتصاد الرقمي وبنية الاتصالات الحديثة في البلد، لجأ إلى «عصا المنع» أو سكت عنها على أقل تقدير.. وسمح بقطع الخط عن «واتساب» الذي يستعمله ملايين المغاربة للحديث المجاني، وتستعمله مئات الشركات للتواصل مع فروعها أو مراكزها في الداخل والخارج. لا أعرف هل استشار السيد مدير الهيئة الوطنية لتقنين الاتصالات وزيرَ التجارة والصناعة والتكنولوجيات الحديثة قبل الإقدام على منع الاتصالات عبر الويب، وقبل إعطاء هدية كبيرة لشركات الاتصالات الثلاث في بداية هذه السنة أم لا؟.
هذا في الوقت الذي تزعم فيه الحكومة أنها ماضية نحو اعتماد مخطط للتصنيع ولاستقبال خدمات «الأوفشورينغ»، وغيرها من الشركات الجديدة التي تسأل أو لا تسأل، قبل أخذ تذكرة الطائرة إلى المغرب، عن أوضاع سوق الاتصالات وعن القوانين المعمول بها في القطاع، وعن البنية التحتية وعن العقلية السائدة.
يجب نقل السيد المنتصر بالله عاجلا مديرا لأحد المتاحف في المغرب، لا مسؤولا عن قطاع حديث يتطور بسرعة كبيرة.
إذا كان تطبيق «واتساب» ينافس شركات الاتصالات الثلاث التي تدفع الضرائب، وتستثمر في البنيات التحتية، وتشغل بضعة آلاف من الشباب، فليس الحل هو منع «واتساب» وترك السوق لاحتكار الفاعلين التقليديين. هذا حل الكسلاء الذين لا يريدون أن يتطوروا، وعوض أن يدخلوا إلى المنافسة، يبحثون عن أقرب طريقة لمنع السباق… لا توجد شركة حول العالم اليوم تبيع سلعة أو خدمة استراتيجية مثل الاتصالات وهي مطمئنة على أن تجارتها محمية، وأن سوقها بلا منافس، وأن نموذجها الاقتصادي سيبقى ثابتا إلى الأبد. هذا مستحيل، لقد رأينا شركة «نوكيا»، التي كان بحوزتها ثلث سوق الهواتف المحمولة، تنهار، وبعدها انهارت شركة «البلاك بوري»، وغدا ستختفي شركات وخدمات أخرى، وستولد شركات وخدمات جديدة.. هذا هو العصر الذي نعيش فيه، وهذه هي طبائع الأشياء.
«واتساب» تعتزم تمول تكاليف خدمة الاتصالات من جيوب المعلنين لا من جيوب المواطنين، وقد اشترتها شركة «الفايس بوك» من صاحبها السنة الماضية بـ19 مليار دولار رغم أنها شركة لا تربح الآن، بل تخسر أموالا كثيرة، لكن زبناءها حول العالم يقتربون من مليار شخص، وهذا ما يجعلها شركة واعدة.
لماذا أقول إن وكالة تقنين الاتصالات «أوت» في هذا القرار الذي يحتاج إلى مناقشة قانونية وسياسية وتقنية سنرجع إليها فيما بعد؟ لأن الوكالة المحترمة انحازت إلى الاقتصاد التقليدي على حساب الاقتصاد الحديث.. انحازت إلى النموذج القديم ضد النموذج الجديد.. تصرفت في قضية معقدة بالأسلوب السلطوي الذي لا تعرف الإدارة المغربية سواه: «المنع».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

AYOUB BOUZIANE منذ 6 سنوات

وحده الشعب وفئاته المهنية من يدفع ثمن تغيير وتحديث قطاعات الدولة في هذا البلد .. أما الشركات المترهلة تقنيا وماليا بملايير الدراهم التي امتقّتها من جيوب المواطنين ثمنا لبيعهم "الهواء" .. فلا ! .. ولا بأس أن نُبقى قطاعا حيويا يتغير كل ثانية حول العالم كقطاع الاتصالات في عهده البدائي في بلدنا .. من أجل شركات عاجزة عن مسايرة المجال معرفيا وتقنيا وخدماتيا .. هذه الشركات التي لم نسمع عنها في يوم من الأيام أنها قامت بدعم جامعة أو كلية أو حتى مختبرا يتصارع فيه شباب باحثون مع ظروف البحث العلمي وإكراهاته المادية المحبطة لينتجو أبحاثا في هذا المجال .. ولو دعما رمزيا من باب تقليد نظيراتها الغربية التي تدعم البحث العلمي بسخاء في بلدانها ووتكثف شراكاتها مع مختبرات الجامعات لتواكب وتساير التطور العالمي في مجال اشتغالها.

مواطن مغربي حر منذ 6 سنوات

إذن الشركات تضحي أولا مافيها باس إلا خسرو شوية ديال الفلوس عوض يبنيو عمارات ناطحات السحب!!!!

M.KACEMI منذ 6 سنوات

صحيح وبديهي أن أمن المغاربة جد مهم، لكن يجب أن نحذر ولا نأخذ الكلام في المطلق، أي العمل به في كافة الأحوال والظروف، لأن في ذلك خدمة لقوى التحكم التي صارت مؤخرا تقايض أمننا بالتخلي عن حقوقنا التي بدونها تنتفي عنا صفتي الكرامة والمواطنة. وما أراه شخصيا كنهج يمزج بين الأمن والمطالبة بالحقوق والدفاع عن المكتسبات هو الاحتجاج السلمي والمنظم والمنتظم في ذات الآن، مع الحذر من اختراقات من لهم أجندات سياسية تتموقع خارج الثوابت الوطنية، وعلى رأس هذه الثوابت النظام السياسي وقضية الوحدة الوطنية

كمال منذ 6 سنوات

مثل هاته الاساليب غالبا ما تاتي بنتائج عكسية، اسلوب المنع ليس اسلوبا ناجعا في ضل التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم

جيمس بوند منذ 6 سنوات

ممتاز

Aboujalal منذ 6 سنوات

امن المغرب. والمغاربة. اولا. علينا. التضحية من اجل الوطن

خلل منظومة القيم منذ 6 سنوات

تحدث السيد بوعشرين ب "نرفزة " شديدة حول منهج المنع المعتمد في المغرب من خلال المنع الذي مارسته شركات الاتصال وذلك بعيدا عن حكومة تختبئ تحت رداء " العفاريت والتماسيح " لا تملك الا لغة المظلومية وانها لا تتحمل المسؤولية وان هناك جهات تحارب " الحكومة " . اعتقد ان منع مسيرات احتجاجية للأساتذة المتدربين والطريقة التي اعتمدت في هذا المنع لا تخرج عن منهجية سلطوية لا تعترف بالدستور ولا تعترف بحقوق الانسان ولا تعترف بالديمقراطية والانصاف الذي يجب ان يعطى للمواطن ، وبالتالي هناك خلل في منظومة القيم تمارس داخل هذا البلد حتى من طرف الدولة / الحكومة نفسها التي عليها ان تضمن الحقوق فبالاحى ماذا سيكون الأمر بالنسبة لشركات او مؤسسات او ادارة او مواطنين نافذين في ممارسة استغلال او سلطة عدوانية مفرطة ضد المواطن . وشركة امانديس تمثل نموذجا لطبيعة الاستغلال الذي يتعرض له المواطنون ، وما اكثر اساليب الاستغلال من طرف الشركات ... بينما الحكومة شاردة تعيش خارج التغطية رئيسها يغط في نوم عميق يحتاج الى مكالمة في السادسة صباحا لكي يعلم بأن هناك مشكلا عليه حله !!! ماذا لو اعتمدت الدولة / الحكومة اسلوبا عقلانيا في معالجة القضايا بعيدا عن القمع والسلطوية والمنع هل كان سيسيل دم الشباب في الشوارع وهل كان سيتفرج العالم على هذه المهزلة ، لو تم التواصل والتحاور بدل الاستفزاز والوعيد وتهديد الشباب بفقدان مستقبلهم ، هل مثل هذا الكلام يصدر من رئيس الحكومة ومن وزرائه من غير الانضباط الى الاساليب المعتمدة في اية دولة ديمقراطية تحترم نفسها ماذا سيقول العالم عن حقوق الانسان في هذا البلد وعن الديمقراطية وحتى عن الاستقرار الذي نحاول تقديمه للعالم . ماذا سيكون موقف المستثمر الاجنبي اذا لم يوجد من يضمن الحقوق ... ليس بهذه الطريقة تدافع الدولة عن هيبتها والمؤسسات والشركات عن مصالحها ،يمكن للدولة / الحكومة ان تدافع عن هيبتها بدستور مفعل وبحقوق الانسان كما تم التنصيص عليها وبحقوق المواطنة وبدولة قادرة على ضمان كل هذه الامور ، ولا نعتقد ان المغاربة ينتمون لكوكب آخر فهم ينتمون لهذا الوطن الذي يريدون ان يعيشوا فيه بكرامة ، وهي الكرامة التي لا تريد بعض الاطراف فهمها ... الكرامة التي يُبحث عنها في دول الغرب حتى ولو تقمص بعض المغاربة جنسية سوري متشرد للحصول على اوراق الاقامة في البلدان الاوروبية التي تستقبلهم ! اعتقد انه علينا مراجعة منظومة القيم واحترام الدستور ...

وهيب منذ 6 سنوات

سوف لن نسكت لهم سوف نخرج الى الشوارع واقترح هنا المنع بالمنع الى سوف نضرب عن الكلام فى التلفون ولو لساعة واحدة ثم نرى من الخاسر

ضريبة البارابول منذ 6 سنوات

ما فعلته شركات الاتصالات في حق زبنائها يذكرني بالضريبة التي كان قد فرضها البرلمان على استعمال البارابول في التسعينات

مستنكر منذ 6 سنوات

كل قوي له مصلحة معطلة مع ضعفاء هذا البلد ، عليه أن يستغل فرصة وجود بنكيران على رأس الحكومة لتحقيقهاـ فرغبات الأقوياء أوامر عند سيادته