هناك وزراء من الأفضل ألا يحركوا ألسنتهم بما لا يعرفون أو بما لا يقدرون عليه، فإذا كان الكلام من فضة أحيانا فإن السكوت من ذهب أحيانا أخرى. الوزير الحركي، محمد مبديع، أبدع في البرلمان خطابا كاريكاتوريا أدخل الكثير من الدعابة على الجو الكئيب في يوم دراسي حول قانون الحصول على المعلومة، حيث فاجأ الوزير الحضور والصحافة بقوله: «إن مشروع قانون الوصول إلى المعلومة المعروض على البرلمان المغربي أفضل من نظيره في فرنسا وإسبانيا وألمانيا، وهو لا يقارن بقوانين هذه البلدان…».
طبعا ضحك الجميع من كلام مبديع، ورددوا بينهم تلك الجملة التي أصبحت لصيقة بوزير «الشفنج»: «هاداك مبديع غير داوي وماتدوش عليه»، لكن وزير الوظيفة العمومية، الذي لا يعرف له أحد وظيفة قبل الوزارة أو بعدها، أعطى معلومة خاطئة تماما حول مشروع قانون الحصول على المعلومة، حيث زعم أن مشروع القانون تجاوب مع مطالب المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين والسياسيين، وأخذ بعين الاعتبار البعد الدولي في تنظيم هذا الحق.. وهذا أمر غير صحيح إطلاقا.
مشروع القانون المعروض على البرلمان كتب بعقلية أمنية مهووسة بحجب المعلومات عن المواطن والصحافة والمقاولة والباحثين… وإليكم دليلان فقط على هذا الحكم، أولهما أن الدستور في فصله 27 ينص بالحرف على أن «للمواطنين والمواطنات الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا حماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة». أسمى نص قانوني في المملكة حدد الاستثناءات على الحق في الحصول على المعلومات في ثلاثة مجالات فقط: الدفاع الوطني، حماية أمن الدولة الداخلي أو الخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، لكن الحكومة، وعوض أن تتقيد بالاستثناءات الثلاثة الموجودة في الدستور، وضعت استثناءات كثيرة وجديدة في مشروع القانون حتى لا يصل أحد إلى أي معلومة مفيدة قد تشكل أساسا لمحاسبة السلطة، أو تعرية اختلالات الإدارة، أو فضح الفساد المستشري في الدولة، أو محاصرة الريع، أو كشف الاحتكار أو… أو… أو…
فالمادة 19 من مشروع القانون الجديد، مثلا، تمنع الوصول إلى مداولة المجلس الوزاري والمجلس الحكومي، وتحظر الاقتراب من سياسة عمومية قيد الإعداد! وتحرم الاطلاع على سير المساطر القضائية (هكذا بإطلاق ودون تمييز بين حق المواطن في المعلومة وضمان سرية التحقيق)، ويمنع المشروع الجديد الصحافة والرأي العام من الاطلاع على قدرة الدولة على تدبير السياسة النقدية والاقتصادية والمالية، والمشروع، الذي يراه مبديع أحسن قانون في العالم، يحجب أي معلومة تتصل بالأبحاث والتحريات الإدارية، هكذا، بإطلاق وعمومية يمكن تحتها وضع أي مبرر لعدم وصول المواطنين إلى المعلومات الموجودة بحوزة الدولة… كل هذه الاستثناءات الفضفاضة تجعل من الحق في الوصول إلى المعلومات، التي في حوزة الإدارة، خطوطا جميلة لكنها مكتوبة فوق الرمل.
الدليل الثاني على تخلف قانون «الأخ مبديع» وحكومته، هو العقوبات الهزلية التي وضعها المشروع ضد موظفي الدولة الذين يرفضون الامتثال للقانون، وتسليم ما بقي مباحا من معلومات إلى المواطنين. المادة 33 تقول: «كل شخص امتنع عن تقديم معلومات مسموح الاطلاع عليها، أو عرقل ذلك، يعاقب بغرامة من 500 درهم إلى 1000 درهم، ومن 1000 إلى 2000 درهم إذا سلم معلومات بهدف تضليل طالبها، وفي حالة العود تضاعف العقوبة».
لكن هذه المخالفات تتقادم بمرور سنة فقط على وقوعها، والأكثر مدعاة لـ«الفقصة» هو الفصل 39 من مشروع القانون الجديد، الذي يفتح باب تملص الإدارة من أي متابعة بتنصيصه على التالي: «لا تجوز متابعة أي شخص مكلف قضائيا أو تأديبيا بسبب امتناعه، بحسن نية، عن تسليم معلومات مخول الحصول عليها بموجب هذا القانون». الغرامات الرمزية الموضوعة في القانون لا تطبق فوريا، فبعد أن يفلت المواطن من الاستثناءات الكثيرة على حقه في الوصول إلى المعلومات، وبعد أن ينجح في القفز على تأويلات الإدارة للقانون الفضفاض، وبعد أن ينتظر شهرا كاملا للتوصل بمعلومة طلبها، أو بما يفيد الامتناع، وبعد أن يشتكي المواطنُ الموظفَ، الذي امتنع كتابة عن تسليمه معلومة هو في حاجة إليها، إلى اللجنة الوطنية لضمان الحق في المعلومات، وبعد اجتماع هذه اللجنة بكل مكوناتها، واستدعاء الموظف المضرب عن الكشف عن المعلومات والاستماع إليه وإلى دفوعاته، وإذا كتب الله الهداية لهذه اللجنة واقتنعت بحق المواطن في الحصول على المعلومات، فإنها تصدر قرارها بالإفراج عن هذه المعلومة، ومن حق الموظف أن يطعن أمام القضاء الإداري في قرار اللجنة، وأن يدفع 500 درهم أو 1000 درهم، وينتظر قرار المحكمة الإدارية ابتدائيا واستئنافيا وأمام محكمة النقض، وفي الأخير، وبعد هذا المسار الطويل الذي سيكلف طالب المعلومة على الأقل ما بين أربع وخمس سنوات، يمكن أن يحصل على المعلومة المطلوبة ويمكن ألا يحصل عليها، وحتى إذا حصل عليها فإنها ستصبح معلومة متقادمة ولا تصلح لشيء.
هذا هو القانون الذي يصفه الوزير مبديع بأنه أفضل قانون في العالم، وهو لا يستحق حتى المداد الذي كتب به، ولا الوقت الذي استغرقه كاتب هذه السطور في قراءته والتعليق عليه.. انفضّوا أيها الصحافيون، فباب المملكة مازال مسدودا في وجه حق الوصول إلى المعلومات، وأسرارها في بئر عميقة، وحجاب الكتمان والسر أمتن من أن يخرقه قانون دعت الضرورة إلى صياغته لأن الدستور/الفلتة أوجب ذلك. ليس أمامكم، أيها الصحافيون، إلا المخاطرة بالتحري، والبحث عن مصادر أخبار سرية في الإدارة تعطيكم بعض المعلومات ولا تحميكم أمام القضاء.