توفيق بوعشرين:امرأة حرة

28 يناير 2016 - 22:00

نزلت وزيرة العدل الفرنسية، كريستيان توبيرا، من سفينة الحكومة، وفضلت السياسية اليسارية أن تبقى منسجمة مع قناعاتها على أن تتعايش مع كرسي الوزارة ومع الأبهة والامتيازات التي يمنحها المنصب لصاحبه، وأولها أن يظل تحت الأضواء… أغلقت توبيرا الباب خلفها عندما لم تفلح في فتح عقلي رئيس الدولة ورئيس الحكومة على مخاطر استعمال سلاح نزع الجنسية وسيلة لمحاربة الإرهاب، وقالت إن هذا برنامج اليمين المتطرف وليس اليسار الاشتراكي المدافع عن قيم حقوق الإنسان.
علقت توبيرا على قرارها الاستقالة من حكومة فالس بالقول: «أنا فخورة بهذا القرار. أحيانا المقاومة هي أن تبقى، وأحيانا يجب الرحيل وفاء للمبادئ».
ابنة جزر الأنتيل رفضت قرار الحكومة الفرنسية إدراج نزع الجنسية من المواطنين الذين ولدوا في فرنسا، كإجراء عقابي على تورطهم في الإرهاب، في التعديل الدستوري الذي وضع حزمة من الإجراءات لدسترة حالة الطوارئ، ولاستعمال سلاح الجنسية عقابا إضافيا ضد المتورطين في أعمال إرهابية… رفضت توبيرا الخضوع لابتزاز اليمين المتطرف الذي فرض على الرئيس هولاند أجندة الخوف والتطرف في مواجهة الإرهاب، فعلى مدى أشهر كانت حارسة الأختام في وزارة العدل الفرنسية تقاوم هذا المنحى في التعديلات الدستورية الجديدة، وترفض الخلط بين مكافحة الإرهاب ونشر جو من الكراهية والعداء إزاء الأجانب، وإزاء الفرنسيين الذين اكتسبوا جنسية فرنسا انطلاقا من حق الأرض التي ولدوا عليها، لكنها عندما رأت أن الحسابات الانتخابية تغلب على المبادئ اليسارية في الحكومة، وضعت المفاتيح ورحلت مفضلة الاستقالة على الصمت.
اليمين واليمين المتطرف الفرنسي فرح بهذه الاستقالة وهلّل لها، واعتبرها قرارا تأخر كثيرا، فلا مكان لتوبيرا وأمثالها في بلاد تتنفس كلها أجواء الخوف من الأجانب.. بلاد لم تستعد بعد توازنها بعد مذبحة باتكلان التي نفذها أباعوض ودواعشه، وسيدفع ثمنها ملايين العرب والمسلمين الذين ولدوا في فرنسا وعاشوا فيها وساهموا في بنائها، والآن يجدون أنفسهم جميعا في قفص الاتهام، مهددين بأن يصبحوا «بدون» على أرض الجمهورية والثورة ومبادئ حقوق الإنسان.
الجنسية ليست قرارا سياسيا، ولا قرارا إداريا تتصرف فيه الحكومات كما تشاء.. منح الجنسية أو نزعها ليس برنامجا انتخابيا، وليس موضوعا للمزايدات السياسية يعطيه هذا الحزب وينزعه آخر. الجنسية حق يُكتسب إما بالولادة أو بالإقامة. الأرض هي التي تمنح الجنسية للمولود فوقها، والجماعة البشرية هي التي تمنح الجنسية للمقيم بينها، والمساهم في الأعباء الوطنية (دفع الضريبة والدفاع عن حوزة الوطن)، بهذا تُكتسب الجنسية لا بسواها، ولهذا، فإن النظام السياسي، أي نظام كيفما كان، ديمقراطي أو سلطوي، علماني أو ديني، ملكي أو جمهوري، لا يملك حق أن ينزع من الإنسان جنسيته، حتى وإن كان هذا الأخير مجرما أو سفاحا أو إرهابيا. الجنسية بطاقة هوية تعطى للإنسان كإنسان بغض النظر عن سلوكه وتفكيره وعقيدته ولونه وأصله.. هي بطاقة هوية تخوله اعترافا قانونيا بالوجود، وتحميه من الاختفاء القسري، وتعطيه حق السفر والتنقل خارج الحدود، وحق ألا يكون مجهولا (بدون تعريف). الجنسية، إذن، ليست امتيازا ينزع، وليست حتى حقا يقيد. جنسية المواطن هي ملازمة لشرط وجوده المادي في عالم لم يعد يسمح لأحد بالحركة والعمل والسفر وممارسة الحقوق بدون هوية وطنية وانتماء إلى الدولة، فحتى الحيوانات المعرضة للانقراض صارت اليوم لها جنسية ورقم واسم لتتبع حركتها وحمايتها، فكيف بالبشر.
إن أفضل من ينفذ برنامج اليمين هو اليسار.. هذه هي القاعدة في فرنسا منذ زمن، خاصة عندما ينسى اليسار يساريته، وعندما يدخل إلى لعبة المزايدات السياسية والانتخابية، وعندما يسقط في فخ اليمين الذي يستعمل الخوف لتعطيل العقل… الذي ينتمي إلى داعش أو إلى القاعدة أو إلى جماعات الموت لا يفكر في جنسية ولا في حقوق ولا في الحياة حتى، هو يخرج من هذا العالم لكي لا يرجع إليه أبدا. هو يريد أن يتخلص من أعباء الوجود التي لم يحتملها عقله وقلبه… لهذا غادرت وزيرة العدل الفرنسية الحكومة لكنها لم تغادر ساحة النقاش العمومي، وسيذكرها التاريخ أكثر مما سيذكر من يؤيد هذا القرار الذي لا يشرف فرنسا وتاريخها العريق.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bihi منذ 6 سنوات

فحتى الحيوانات المعرضة للانقراض صارت اليوم لها جنسية ورقم واسم لتتبع حركتها وحمايتها، فكيف بالبشر. أحسنت وللمزيد انظروا القانون 29-05

aziz منذ 6 سنوات

{...هذه هي القاعدة في فرنسا منذ زمن الذي يستعمل الخوف لتعطيل العقل…}... لم أرد تأنيث الفعل ... احتراما للكاتب... و عملا بما ليس له فرج يؤنث أو يذكر...لأن هذه الجملة هي اسم مركب...لتقنية... La culture de la peur... تستعملها كل الدول المتقدمة التي كانت موضوع مقاله السابق... " توبيرا" ... صاحبة زلة لسان... نعم كانت ضحية أفكار التطرف اليميني... لأنها سوداء البشرة ... لأنها كانت مدبرة زواج المثليين... لقد استعملها رئيسها لهذا الغرض... لشراء أصوات اللوبي المثلي... و قاموا بالتضييق عليها لشراء أصوات اليمين و استمالة المتدينين من الكتابيين...السياســــــــــــة لا ترحم المثقفين...لكنها تثري الانتهازيين...و لكن هل كان هناك اتفاق سابق يثمن لخطة برنامج حزبها ... هناك مناصب تسمى ب "القيام بالعمل القدر" « le boulot sale »... يستقيل صاحبها ... عند دفع بعمال معمل الى الاستقالة...أو عند انجاز سياسة...ليتفرغ لنفسه ...توبيرا اليوم ذاهبة الى أمريكا لقد و جدت منصبا آخر...و لكم مثال في ما يقوم به رئيس حكومتنا... هل من العقل أن يجعل "مبادئه" عرضة لتسيير بلاد في وضعية خاصة... !!!!!!!!!!!!!!!!

فضول منذ 6 سنوات

حسب اعتقادي، فقد مرروا بها هذا القرار لا أقل ولا أكثر، ثم أعلنت استقالتها (وهي إقالة ضمنية) غير مأسوف عليها من قبل من وضعوها هناك أولا.

abamran izme منذ 6 سنوات

je suis de sud du maroc j habite france tous a changez depuis les terrorist e a cause d eux tous les entrepris touq les patron refuse de fair travail les musilmin c la catastroph surtou dans departemen ou y plus de front national dieu nous aides et nous proteg car on trop soufir portant les marocaines sont les plus demandez pour travaillez mai les temps changens acause des terrorist qu oublie qu france terre pas musilmin on doi les respect . france n as pas fai faillait comme vous dites ils on les moyenn de 50ans de crise ios on un patrimoin qui c fini jamais tou les annes de conolisation rest au reserv en plus il export il produis en chaq jours dommage on devenu nous esclav du maric et de france france nous prend pour de la merd et le maroc comme une vache avendr

مواطن من تطاون منذ 6 سنوات

امرأة حرة بهذا الوصف الدقيق ذلك أنها تعرف جيدا النفاق السياسي الفرنسي سواء كان يمينيا او يساريا، كما انها قبل قناعتها بمباديء القورة الفرنسية ذاقت هي واباؤها واجدادها من نير المستعمر الفرنسي الذي مارس الاستبداد والقهر الاستعماري ضد مواطنيها وابتلعوا قهرا كل المبادىء الثورية التي لقنتها اياها المؤسسات اليسوعية والمسيحية . ان هذه المراة الحرة التي قدمت استقالتها من الحكومة الفرنسية اليوم هي التي فهمت حقيقة مباديء الثورة الفرنسية وهي تمارس في واقع حياة المجتمع الفرنسي ولو انها منحت لها المواطنة الفرنسية على اساس قناعتها الفكرية وليس على اساس انتمائها لوطنها ، وبعد غد قريب سنرى من هذه السيدة الحرة استقالتها من مباديء الثورة الفرنسية والوطن الفرنسي أيضا.

نوالدين منذ 6 سنوات

العبرة لوزراءنا وبرلمانيونا الدين يتشبتون بكراسيهم ليس لأن لهم مبادئ سياسية بل لأجل 2فرانك

Alhartouki منذ 6 سنوات

La France est en faillite et celui ou celle qui n'est pas d'accord, jettez un coup d'oeil sur le nombre de francais de souche, qui quittent la France, le Quebec est juste un exemple.

jouaou abdellah منذ 6 سنوات

المبادئ هي التي تصنع الانسان ليس الانسان هو الذي يصنع المبادئ و هذه السيدة انطلقت بمبادئ الاشتراكية و ختمت عملها بنفس المبادئ التي ضيعها الحزب الاشتراكي الذي اشترى امن اليمين المتطرف و باع حق الانسان في كسب الهوية