الوديع: الهمة أدى دورا مهما في تذليل الصعوبات أمام مبادرة هيأة الإنصاف

13 فبراير 2016 - 17:35

ي. مسكين ع.بلشكر إ. حمودي

ما رأيك الشخصي في تجربة انخراط اليسار الراديكالي في مسار تجديد نخب الدولة؟

 بعيدا عن منطق الرجم بالغيب والاتهامات المزاجية، يمكن القول إن عوامل عدة ساهمت في تغيير الاستراتيجية السياسية لفصائل اليسار. وفي البداية لا يمكن الحديث عن اليسار ككتلة متراصة، إذ إن العديد من فصائله وفرت أجوبة مختلفة حسب هذا الفصيل أو ذاك. ويمكن تبيان النقاط التي تتفق فيها هذه الفصائل رغم تباينها: التخلي عن التنظير للعنف، وأقول التنظير لأن اليسار لم يكن عنيفا في الممارسة أبدا، ولا خطط لذلك يوما ما. لقد كان الأمر يتعلق بإعجاب بنماذج سابقة عليه في التاريخ لا أقل ولا أكثر. ثم هناك تبني أطروحة الديمقراطية، ولو بتفاوت، عوض ديكتاتورية البروليتاريا.

أظن أن مآل التجربة الاشتراكية عبر العالم، المتمثل في أزمتها التنظيرية والعملية، قد ترك بصماته، دون استخلاص الدروس، للأسف، إلى حد اليوم. لذلك نرى اليوم تأرجحات كثيرة، وترددات في اعتماد هذا المنحى أو ذاك، ما أضعف دور اليسار بشتى فصائله. لقد تخلى اليسار عن عدد من مسلماته بفعل امتحانات التجربة دون أن يؤسس نظرية جديدة. ويمكن اعتبار استراتيجية النضال الديمقراطي في مؤتمر الاتحاد الاشتراكي 1975 أهم منعطف في التفكير اليساري، قبل أن تضعف هي الأخرى أمام التقاعس عن تطويرها وتجديدها.

من جهة أخرى، بعد سقوط جدار برلين أظن أن الدولة، مع الراحل الحسن الثاني، استطاعت فهم التحولات المفاجئة بشكل أسرع من اليسار نفسه، ما مكنها من استثمار الوضع الجديد، بما في ذلك تخلف اليسار عن استثماره.

بعد الكفاح داخل الكتلة من أجل المراجعة الدستورية خلال نهاية الثمانينات والتسعينات على وجه الخصوص، كان بإمكان اليسار المشاركة أكثر في فتح آفاق الانتقال الديمقراطي عبر التأهيل الذاتي تنظيرا وتنظيما وأشكالا نضالية، إلا أن الذي غلب في نهاية المطاف هو النزوع إلى تكريس التقاليد السياسية المرعية…

ما الذي غير قناعاتك الراديكالية شخصيا، وأقنعك بالانخراط في مسار العهد الجديد من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة وغيرها؟ هل المبادرة جاءت من القصر أم من اليسار؟

 لقد اعتبرت منذ مغادرتي السجن بعد 1984، وحتى قبل ذلك، أن النضال الديمقراطي نضال استراتيجي، وأن دمقرطة الدولة لا يمكن أن تتم دون دمقرطة المجتمع. عندها أدركت أن المعركة طويلة النفس. والنضال الديمقراطي سيتم عبر مراكمات صبورة وعبر توفير المجال لانبثاق نخب جديدة من رحم المجتمع، وبابتكار أشكال جديدة للتأثير في المجال العام. وهكذا ساهمت شخصيا في عدة محاولات لتأسيس إطارات تجيب عن هذه الضرورات، مع المشاركة، في الوقت نفسه، في تغذية التفكير المشترك والمجال العام بأفكار جديدة تمهد لوعي سياسي متطور ومتلازم مع التحولات المتسارعة التي أخذ اليسار يعجز عن قراءتها والتفاعل معها بما يتيح له وجودا أكثر تأثيرا. هكذا ساهمت في تأسيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان في الثمانينات، وساهمت في تأسيس منتدى الحقيقة والإنصاف، وساهمت في دعم الحركة النسائية، ثم حركة لكل الديمقراطيين، دون نسيان ذكر المشاركة في أنشطة بيت الشعر وجمعيات مدنية أخرى.

أما المبادرة في ما يتعلق بهيئة الإنصاف، فالفكرة التأسيسية جاءت من المجتمع المدني عن طريق منتدى الحقيقة والإنصاف، الذي شغلت فيه نائبا للرئيس مع الراحل إدريس بنزكري، ثم تطورت وأخذت شكلها النهائي من خلال النقاش البناء مع ممثلي الدولة، وفي مقدمتهم السيد فؤاد عالي الهمة الذي لعب دورا مهما في تذليل الصعوبات، أضف إلى ذلك الحكمة والصبر الذي كان الراحل إدريس بنزكري يتصف بهما.

 هناك من يقول إن اليسار الراديكالي شعر بمأزق بعد فشله في تحقيق أهدافه وبخطر الزحف الإسلامي القادم، فاعتبر أن العدو هم الإسلاميون، وأنه يمكن التحالف مع الملكية ضدهم، هل تشاطر هذا الرأي؟

 هذا رأي تبسيطي مثل العديد من التحاليل التي لا تقرأ إلا مظاهر الأمور، وذلك يبدو من خلال عدد من المعطيات التي أشرت إليها أعلاه. ما تسمونه الوعي بخطر الإسلاميين ما هو إلا استحضار لخطورة زرع أسباب الفرقة داخل المجتمع على أساس ديني، وكسب مواقع في الفضاء السياسي عن طريق مزاحمة الملكية في الشرعية الدينية، ما يهدد في نهاية المطاف الصيرورة التي يجب أن تفضي إلى تجاوز العتاقة السياسية والفكرية في الدولة المغربية، والحال أن الاعتماد على استثمار المقدس الديني المشترك للمغاربة لا يمكن أن يؤدي إلا إلى ترسيخ تلك العتاقة التي دفع اليسار الثمن غاليا من أجل القطع معها.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

البيضاوي منذ 6 سنوات

الوصوليون الجدد من متمردين إلى متنفعين