سكت صوت ظل يتكلم لمدة 70 سنة، وتوقف قلم خط ملايين الكلمات وآلاف المقالات الصحافية وعشرات الكتب.. انسحب من مسرح الحياة أشهر وأكبر صحافي في العالم العربي، بعدما كان شاهدا على عصر كامل.. محمد حسنين هيكل في ذمة الله.
أكثر من مرة، صنف هيكل من بين قائمة الصحافيين الأكثر تأثيرا في عالم السياسة والصحافة. على مدى سبعين سنة تقلب «الأستاذ»، كما يسميه الزملاء الصحافيون في مصر، في مناصب عدة، من يوم دخوله إلى جريدة «إيجبشن غازيت» سنة 1942 إلى يوم وفاته أمس، عن سن ناهزت 93 سنة. أعطى هيكل الصحافة العربية تأثيرا كانت تفتقر إليه، وجعل من جريدة الأهرام مؤسسة عابرة لحدود مصر، وأدخل إلى مدرسته أسماء كثيرة تألقت في رحاب صاحبة الجلالة.
ثلاث مزايا طبعت سيرة الكاتب والصحافي الراحل هيكل؛ أولاها ولعه بالعمل الميداني، والخروج من المكتب إلى أرض الواقع بحثا عن الحقائق والقصص التي تهم الناس. غطى هيكل جزءا من الحرب العالمية الثانية في العلمين، وغطى حرب فلسطين سنة 1948، وغطى حرب الكوريتين، وكان حاضرا في أزمة انفصال باكستان عن الهند، وكان قريبا من حربي 67 و73 ضد إسرائيل… غطى حروبا كثيرة، وكان يعتبر أن الحرب هي اللحظة التاريخية التي تعري موازين القوى وتكشف مواطن القوة والضعف في الأمم. نقل هيكل إلى قرائه الكثيرين أزمات دولية وكوارث فظيعة، واحترف أن ينقل من الميدان الأصوات والمشاهد والصور التي لا تصل عادة إلى الناس.
الميزة الثانية لهيكل أنه صحافي كان مولعا بالتاريخ القديم والحديث، وأمضى مشواره المهني كله يلاحق شهود التاريخ ووثائقه وكتبه وآثاره على الجغرافيا.. كان أرشيفا متنقلا يجمع كل ما يقع تحت يده من أوراق قد تساعد على كتابة القصص ورواية الأحداث.
لما انتصرت الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، شد هيكل الرحال إلى قم للقاء آية الله، الذي كان لغزا آنذاك للعواصم الغربية التي أدهشتها ثورة الفقيه، وكان هيكل قد أبدى تعاطفا مع الخميني عندما كان لاجئا في باريس، وقدمه إلى الصحافة الإنجليزية في وقت الشدة، لهذا أراد الخميني، وقد صار حاكما لإيران، أن يجازيه، فسأله: «ماذا تطلب مني يا هيكل؟»، فرد الصحافي المصري الشاطر: «لا شيء يا إمام سوى طلب واحد»، فقال له الخميني: «اطلب ما شئت»، فقال هيكل: «أريد الاطلاع على الوثائق التي صادرها الثوار من السفارة الأمريكية في طهران». تعجب الخميني لهذا الطلب الذي رآه بلا قيمة، فيما رآه هيكل ثروة حقيقية من المعلومات والوثائق السرية التي تميط اللثام عن سياسة واشنطن في إحدى أهم عواصمها في المنطقة آنذاك.. وكذلك كان. انتقل هيكل إلى مقر إحدى الوزارات في طهران، حيث كانت هناك عشرات الآلاف من الوثائق المصادرة من السفارة الأمريكية لم تفحص بعد، وبدأ يلتقط صورا ظهرت فيما بعد في كتبه ومقالات ترجمت إلى أكثر من 30 لغة.
ميزة هيكل الثالثة أنه أعطى عمقا فكريا وأدبيا ولغويا حديثا للكتابة الصحافية العربية، وقد كانت قبله مولعة بالمحسنات البلاغية والكتابة التقريرية أو الإنشائية. هيكل اقتبس أجناسا صحافية غربية وأدخلها إلى الصحافة العربية، وفتح أبواب الأهرام للأدباء والشعراء والأكاديميين والخبراء (هو من أقنع نجيب محفوظ، مثلا، بالانفتاح على الصحافة ونشر رواياته في الأهرام، وهو الذي أسس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية).
كان صديقا لعبد الناصر، وكاتبا لجل خطبه، ثم تحمل، مكرها، مهمة وزير الإعلام ووزير الخارجية بالنيابة، ثم أمضى سنوات إلى جانب السادات، وساعده على التخلص من مراكز القوى قبل أن يقع الطلاق بينهما، ثم تحول إلى معارض شرس لاتفاقية كامب دايفيد، ودخل السجن جراء كتاباته المحذرة من مخاطرها، ثم أمضى أشهر عسل قليلة مع مبارك قبل أن يقع الجفاء بينهما، ويتحول هيكل إلى ألد أعداء مبارك، وصولا إلى الثورة المصرية التي دعمها هيكل انتقاما من نظام كان يراه فاسدا وعابثا بمكانة مصر الإقليمية والدولية، لكن عندما جاء الإخوان إلى السلطة تذكر هيكل كل صراعاته مع جماعة الإخوان من أيام صراعاتها مع النظام الملكي، إلى اغتيال النقراشي، إلى القطيعة مع ناصر، ولما أطل العسكر من نافذة الانقلاب على القصر الجمهوري وجدوا في هيكل مكبر صوت كبيرا أضفى شرعية الضرورة على مؤامرة الجنرال، وتطوع لكتابة بيان الانقلاب الأول.
في كل هذا المسار الطويل والمعقد ظل هيكل يعرف نفسه بمهنة واحدة، يقول: «أنا صحافي أقول كلمتي وامشي»، هو كذلك وأكثر، لهذا مات وترك وراءه تركة كبيرة سيتعلم منها الصحافيون الكثير من الدروس والعبر بإنجازات صاحبها وإخفاقاته، وأول هذه الإخفاقات أنه، في لحظة فارقة من تاريخ بلده، لم يختر جيدا أين يقف، ولم يتعرف على الموقع الذي كان يجب أن يكون فيه.. صحافي مهمته أن يرتدي بذلة محامي الدفاع عن الحرية والديمقراطية وشرعية صندوق الاقتراع.