يدك منك ولو كانت مجذومة

23/02/2016 - 22:00
يدك منك ولو كانت مجذومة

البيان الذي وزعته الخارجية المغربية لشرح وجهة نظرها بخصوص رفض استضافة القمة العربية، التي كان موعدها 7 و8 أبريل المقبل في مراكش.. هذا البيان يصلح أيضا كخطاب افتتاحي للقمة نفسها لو كتب لها الانعقاد في عاصمة النخيل. الحديث بصراحة مع الأشقاء عن أعطاب جامعتهم، وشتات صفوفهم، وحروب قبائلهم، هو واحد من أهداف القمة مهما كانت حظوظ نجاحها، فالعالم كله مشغول بالأزمة السورية والجرح العراقي والفتنة اليمنية ومصيبة داعش وفرقة ليبيا وفشل لبنان، وشلال اللاجئين المتدفق إلى البحر بحثا عن الحياة في ممرات الموت. كل دول العالم، القريبة والبعيدة، مهتمة بمشاكل العرب وحروبهم التي لم تعد محصورة في حدودهم، لهذا فإن القمة العربية في مراكش كانت ستكون مناسبة لوضع الرؤساء والملوك العرب أمام مسؤوليتهم، خاصة أن المغرب، الذي كان سيستضيف القمة، لعب دورا مهما في حلحلة الأزمة الليبية، وفي دعم استقرار تونس، وفي المشاركة في عاصفة الحزم.

المغرب كان يعرف أعطاب الوضع العربي في مارس من السنة الماضية، حين قبل عبد الإله بنكيران، ممثل الملك محمد السادس في شرم الشيخ، استضافة القمة العربية، والسيد وزير الخارجية والتعاون، صلاح الدين مزوار، لم يكن يجهل واقع الانقسام العربي عندما شرع، بداية هذا الشهر، في توزيع دعوات الحضور على الرؤساء والملوك العرب، فماذا حدث حتى تغير الموقف الدبلوماسي للمملكة التي لها تاريخ طويل في استضافة القمم العربية، باعتبار فاس والدار البيضاء والرباط كانت على الدوام مكانا للقاء وللمصالحة ولترطيب الجو؟

هناك أكثر من تفسير لقرار الرباط نفض يدها من العرب ومشاكلهم، واتجاهها إلى التنسيق مع السعودية والإمارات عسكريا واقتصاديا ودبلوماسيا. التفسير الأول يقول إن الرباط كانت تخشى أن تفشل القمة في مراكش، وأن تنعقد بمستوى تمثيلية باهت لا يريده الملك محمد السادس، الذي أعلن أكثر من مرة تبرمه من كواليس ومؤامرات وترضيات الدبلوماسية العربية، وأنه، عكس والده، ليس من هواة هذا النوع من الدبلوماسية، وأنه رجل عملي يقود بلادا تنظر إلى الغرب لا إلى الشرق، وأن همومه أن يضع المغرب في قلب كل مغربي، لا أن يضع المغرب على الخريطة الدولية، كما قال هو نفسه مرة لأحد ضيوفه.

التفسير الثاني الذي قدم مبررا لابتعاد المغرب عن مشاكل العرب وانقساماتهم، أن الرباط لا تريد أن تدخل على خط التنافس المستتر بين مصر السيسي وسعودية سلمان. مصر تدافع عن تشكيل حلف عسكري عربي لمحاربة الإرهاب والتطرف الذي يهدد المنطقة، فيما السعودية ذهبت بعيدا في تشكيل حلف عسكري سني لمواجهة الإرهاب والوقوف في وجه النفوذ الإيراني المتمدد في المنطقة مع تركيا وباكستان وأصدقائها المسلمين، وهذا ما لا يروق القاهرة التي ترى أن حليفتها السعودية تأخذ مكانها في الإقليم العربي، وقد حولت الرياض مجلس التعاون الخليجي إلى بديل عن الجامعة العربية، فالسعودية اليوم تقدم نفسها القوة الإقليمية رقم واحد في عالم عربي بلا خرائط ولا أمن قومي ولا تعاون مشترك، ولا حتى حد أدنى من التنسيق، ولخروج المغرب من هذه «الورطة» فضل غلق قوس القمة العربية، والاهتمام بما يراه مهما.

هذا تقدير سياسي ودبلوماسي للرباط وملكها المسؤول الأول عن التوجهات الدبلوماسية في بلده، لكن على وزارة الخارجية أن تجد مداخل جديدة للعب دورها الدبلوماسي في منطقة هي جزء منها بفعل التاريخ والجغرافيا واللغة والتأثير والتأثر. يجب ألا ينسى السيد مزوار أن داعش ليست منظمة عراقية أو سورية أو يمنية، هي أيضا مغربية، ولدينا 2000 شاب مغربي غرر بهم وسافروا للقتال في معسكر البغدادي، وكل أسبوع يعلن الأمن تفكيك خلية هنا وخلية هناك لها اتصال وحبل سرة مع تنظيم الدولة وفكره المتطرف، لهذا مطلوب من الدبلوماسية المغربية أن تلعب الدور المطلوب منها في الساحة العربية والإسلامية، إذا لم يكن لجلب المصالح فعلى الأقل لدرء المفاسد.

المغرب ليس دولة عظمى ليخرج وحده إلى الساحة الدولية للعب دور مؤثر وفعال، المغرب ليس الصين أو روسيا أو أمريكا، المغرب قوة صغيرة، ولكي يلعب دورا مؤثرا في محيطه والعالم، عليه أن يتحرك ضمن تحالفات محيطه الطبيعي، وبمعية منظمات إقليمية تسهل أمامه الحركة في طريق مزدحمة. الرباط لا توجد في الاتحاد الإفريقي، واتحاد المغرب العربي مات ولم يدفن بعد، ومنظمة المؤتمر الإسلامي منظمة ثقافية أكثر من كونها شيئا آخر، والوضع المتقدم الذي أعطي لنا من قبل الاتحاد الأوروبي يشبه وساما رمزيا على صدر مواطن لا يسمن ولا يغني من جوع… لهذا يجب التفكير في أدوات ودوائر حركة لدبلوماسيتنا.

شارك المقال