قوارير الحقاوي المهشمة

26/02/2016 - 22:00
قوارير الحقاوي المهشمة

لا هن قوارير كما جاء في وصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا هن «ثريات» كما جاء في وصف رئيس الحكومة، ولا هن مكرمات كما وعدت الوزيرة المحجبة في الحكومة، التي سكتت على إقبار قانون جديد لحماية المرأة مذ سنتين.. إنهن عاريات في مواجهة الضرب والجرح والاغتصاب والإهانة والتحرش والسب والطرد من المنزل، والأدهى من كل هذا أن القانون الجنائي لا يحميهن، والقضاء لا ينصفهن، والشرطة لا تلتفت إليهن والنيابة العامة تطالبهن بإثبات العنف الواقع عليهن بوسائل تكاد تكون مستحيلة.. إليكم القصة الأكثر فظاعة في المملكة المغربية.

يوم أمس نشرت محكمة الاستئناف بالرباط أرقاما رسمية عن عدد الحالات التي وصلتها بشأن العنف ضد النساء والأطفال في المغرب. بلغ الرقم برسم سنة 2015 فقط 1350، ولكم أن تتصوروا تسعة أضعاف حالات العنف التي لا تصل إلى القضاء إما لأن ضحاياها يصبرن على «شريك العمر ووالد الأبناء»، وإما لأن بعض النساء يخفن «السي السيد»، وإما لأن ثقافة المجتمع تعتبر المرأة التي تقاضي زوجها، لأي سبب من الأسباب، امرأة «بنت الحرام» ولا تراعي العشرة ومستقبل الأبناء، وكأن الرجل الذي يضرب زوجته ويهينها ويسيل دمها مرة في الأسبوع ليس مسؤولا عن عش التعذيب هذا، ولا ذنب له ولا عقاب يستحقه.

لكم أن تتصوروا وجود جريمة آمنة مثل ضرب زوجة في غرفة النوم أو سبها أو اغتصابها أو طردها من المنزل أو حرمانها من أبنائها أو… أو… أو… هذه جريمة ستنتعش وتنتشر، وتصبح مع الوقت مقبولة ومبررة، بل ومطلوبة أحيانا لردع الزوجة المتمردة، أو لإعادة تربيتها على يد زوجها الذي يتحول من شريك لها إلى سيد يتصرف في أمَتِه كما يريد.

هذا كلام نظري، إليكم القصص والأرقام التي لا تكذب.. خلص بحث وطني أعدته «المندوبية السامية للتخطيط» سنة 2009، حول النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و65 سنة، إلى أن الثلثين منهن، أي 62.8 ٪، تعرضن لعنف جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي. تحدثت 55 ٪ من مجموع النساء اللاتي شملتهن الدراسة عن التعرض للعنف «الزوجي»، و13.5 ٪ عن التعرض للعنف «العائلي». المشكلة أن 3 ٪ فقط من النساء اللاتي تعرضن للعنف الزوجي أبلغن السلطات عنه.

أما القصص فمصدرها المنظمة الأمريكية، هيومن رايتس ووتش، التي جمعت من المغرب حالات كثيرة لنساء معنفات، ونشرتها حديثا تحت عنوان: «الحقاوي اعطيني حقي»، في محاولة للضغط على الحكومة لإخراج قانون جديد لحماية المرأة من العنف بكل أنواعه، وتبسيط مسطرة الإثبات وتشديد العقوبات…

فاطمة من فاس (30 سنة) تحكي: «تزوجت وأنا في الـ17 من العمر. زوجي بدأ يعتدي علي بعد 6 سنوات من الارتباط، حيث كان يضربني ويرميني بأي شيء يجده أمامه.. هاتف محمول، كأس، طنجرة، كتاب، وعندما لا يعجبه أكلي يبصق فيه ويمر إلى حفلة سلخ مريعة… صبرت معه وأنجبت طفلين منه، إلا أن ذلك لم يمنعه من مواصلة تعنيفي، فكان يضربني بقوة إلى أن حطم إحدى أسناني، وأحرقني في ذراعي بقضيب شواء وفي ساقي بسيجارة، وكان يغتصبني بشكل متكرر، بل كان يجبرني على العلاقة الجنسية الشاذة من الخلف».

بعد كل هذا التعنيف، حاولت فاطمة اللجوء إلى شرطة فاس لحمايتها مرتين. تواصل الحكي: «وفي المرة الأولى، تحديدا سنة 2006، حينما أحرقني زوجي بقضيب شواء، استدعته الشرطة فأنكر وقال إنني أحرقت نفسي، لكنّني أمام هذا الوضع لم أستطع أن أحضر شهودا لإثبات العكس، كما طلب مني الشرطي، ولأن الأمر حدث داخل بيتنا، فقد ردوا علي: ‘‘إن كان لديك شهود، سنساعدك، وإلا فإننا لا نستطيع فعل أي شيء’’. قلت لهم افتحوا تحقيقا.. اسألوا الأطفال.. اسألوا الجيران راقبوا الزوج، لا تتركوني بلا حماية، فردوا علي: ‘‘لا يمكننا أن نفعل ذلك’’».

هناك شهادات أخرى لكن ما يعرفه كل واحد منا أكبر من شهادات هيومن رايتس ووتش.. ما نعرفه أن المرأة في مجتمعنا غير محمية من العنف في منزلها وفي الشارع وفي العمل وحتى في النيت. الجيل الصاعد أكثر عنفا تجاه الفتيات من عمره من الجيل السابق، تراهم في الشارع يتحرشون بالفتيات وبلغة ساقطة وبعنف غريب أحيانا، وتراهم يتحرشون بالنساء في الفايسبوك، وعندما لا يملن إليهم يبدؤون بالسب من الحزام إلى ما تحت لأنهم جميعا تربوا على أن العنف ضد المرأة غير مجرم، وحتى إذا كان غير أخلاقي، فإن المغرب لا يتوفر على شرطة تحمي الأخلاق. مجتمعنا يحترم القوة وليس المبادئ، يخاف ولا يستحيي، وعندما يرى الشاب أن والده ينام قرير العين بعد أن يسلخ والدته ويسبها، يفهم أن ضرب المرأة ليس جريمة، وأن هذه الأخيرة خلقت لتضرب، ولأنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها ولا يوجد قانون ودولة تحميها، فلماذا سيحميها هو؟ سيواصل إعادة إنتاج العنف المادي أو الرمزي مع أخته أو زوجته أو زميلته في القسم، وإذا لم يفعل بسبب معجزة من السماء، فإن هذا الشاب يكبر وهو يتسامح مع مرتكب جريمة العنف ضد المرأة. لقد تربى في هذا الجو، وأصبح الأمر مجرد «انفلاتات» تعالج بالصبر والتجاوز، وليست جرائم تحتاج إلى عقوبات مشددة.

شارك المقال