الخوف الحقيقي..

10/06/2016 - 22:00
الخوف الحقيقي..

وافق الاتحاد الأوروبي على منح تونس قرضا بقيمة 500 مليون أورو لمساعدة هذا البلد الصغير على مواجهة الأزمة الاقتصادية التي تحاصره، ومن أجل دعم مساره الديمقراطي، وقال البرلمان الأوروبي، في بيان بالمناسبة: «وافق أعضاء البرلمان الأوروبي على خطة لإقراض تونس مبلغ 500 مليون أورو بشروط تفضيلية، لمساعدتها على تعزيز آليات الحكم الديمقراطي وخفض دينها الخارجي». وقبل الاتحاد الأوروبي كان صندوق النقد الدولي قد وافق على برنامج قروض لتونس مدته أربع سنوات بقيمة 2,8 مليار دولار لدعم الإصلاحات المالية والسياسية.
يوم تسلم القرض، بالنسبة إلى الفرد كما بالنسبة إلى الدولة، ليس يوما سعيدا، لكنه حكم المضطر.. هذا على الصعيد المالي والاقتصادي، لكن على المستوى السياسي، قروض الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي مؤشر على ثقة الغرب في مسار التحول الديمقراطي الجاري في بلاد الزيتون، وهذه القروض، وإن كانت غير كافية فإنها تعكس ترحيبا أوروبيا وأمريكيا بهذا النموذج الناجح لانتفاضات الربيع العربي التي انطلقت سنة 2011، وعرفت انتكاسات كبيرة في مصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين.
في الوقت الذي تصب دول الخليج العربي المليارات من الدولارات في مصر لدعم الانقلاب العسكري ضد الحكم المدني، ولتثبيت قدمي الجنرال الفاشل عبد الفتاح السيسي ضد أي تحول ديمقراطي في أكبر بلد عربي، يدعم الاتحاد الأوروبي مسيرة أصغر بلد مغاربي من أجل عبور مرحلة الخطر نحو تثبيت حكم المؤسسات، والوفاق بين كل الأطياف حول أدوات إدارة الصراع على السلطة والثروة والنفوذ بطريقة سلمية وحضارية وديمقراطية. هنا نحن أمام نمطين من التفكير والممارسة السياسية؛ الأول عربي يرى في الاستبداد حلا للقضاء على صحوة الشعوب، ونمط غربي يرى أن الديمقراطية هي الحل لمجابهة التطرف والاستبداد والإرهاب والحروب الأهلية.
هناك اليوم تجربتان موضوعتان تحت المجهر في العالم العربي؛ الأولى هي تونس التي أحرزت تقدما مهما رغم الصعوبات الاقتصادية والأمنية التي تكبلها، لكنها نجحت في وضع دستور نموذجي، ونظام حكم برلماني، وأجرت أكثر من انتخابات شفافة ونزيهة نسبيا بعد فرار الجنرال بنعلي إلى السعودية. هذه التجربة موضوعة اليوم في المختبر باعتبارها نموذجا واعدا لتحول ديمقراطي سلمي في منطقة تغلي بالاضطرابات والانقسامات الطائفية والدينية.. منطقة تجر تراثا استبداديا قاتلا زرع أمراضا كثيرة في جهاز الدولة وخلايا المجتمع.
النموذج الثاني الموضوع تحت المجهر الدولي هو المغرب، باعتباره بلدا أعلن أجندة إصلاحات مهمة، وتفاعل بطريقته وأسلوبه مع انتفاضات الربيع العربي، حيث ركب فوقها ولم يواجهها بالدم والنار، كما فعل القذافي وبشار وعبد الله صالح وغيرهم من الحكام العرب، وإذا كان العالم لا يضع المغرب في مستوى تونس من حيث قوة المحرك الديمقراطي فيه، فإن التجربة المغربية، مع ذلك، موضوعة في مختبر التجربة، وينظر العالم إليها كحالة سياسية تمتلك حظوظا في أن تصير نموذجا ناجحا لتحول ديمقراطي هادئ وسلس، في ظل ملكية عصرية ومنفتحة على العالم، لكن هذا النموذج يواجه، مع ذلك، تحديات كبيرة من داخله أكثر مما يواجه تحديات من خارجه، لأن هناك تيارا قويا في جهاز الدولة يريد أن يجعل من الانفتاح الديمقراطي، الذي انطلق سنة 2011، مجرد تكتيك للالتفاف على غليان الشارع، وخروج الشباب للمطالبة بالإصلاحات، وهذا التيار يسوق فكرة مدمرة تقول إن الإصلاحات الجارية في البلد والانتخابات المفتوحة ستحمل «الغول الإسلامي» إلى السلطة وليس فقط إلى الحكومة، وإن هذا الغول يحمل مشروعا مغايرا للمشروع الوطني المغربي، وإن كل التغييرات التي أدخلها بنكيران على حزبه وحركته ونمط تفكيره، للخروج من عباءة الحزب الأصولي إلى بذلة الحزب المحافظ، ما هي إلا «عمليات تجميل» خادعة، وإن السلطة لو حكت جلد بنكيران وأصحابه سترى الوجه الحقيقي لهذا الحزب، وإن الحل الوحيد الذي سيجنب الملكية مخاطر المواجهة مع حزب مهيمن على الساحة السياسية هو النفخ في حزب الدولة (البام)، وهندسة الانتخابات، وإرجاع الدور القديم لوزارة الداخلية التي تفصل قبليا مقاعد البرلمان على إرادة الحاكمين حتى قبل أن تنطلق الحملة الانتخابية. هذا الرأي موجود اليوم في قلب جهاز الدولة، ويسوق نفسه عبر الإعلام، وعبر التأثير في القرار، لكن مشرعه قائم على الخوف، والخوف فقط، ولا يجيب عن الأسئلة الأكثر إلحاحا من الخوف مثل: ما هي كلفة التلاعب بإدارة الناس إذا جرت صناعة أغلبية غير حقيقية يوم السابع من أكتوبر؟ كيف ستكون صورة البلاد في الخارج إذا جرى إقفال القوس الذي فتح قبل خمس سنوات، ورجعنا إلى مشروع السلطوية الناعمة؟ هل يستطيع حزب الدولة أن يصمد غدا أمام الشارع إذا تحرك، وأن يقنع الطبقات الوسطى بعدم الاحتجاج في الشارع لأن مشروعا للإصلاح موجود في جيبه؟
الخوف لم ولن يكون مشروع حكم، الجرأة هي التي تصنع المستقبل. الخوف الحقيقي هو من الرجوع إلى الخلف، وإعادة إنتاج التقليدانية السياسية والسلطوية، وانتظار نتائج أفضل من تلك التي حصدها العهد القديم، الذي مات رمزه سنة 1999 وترك نصف شعبه أميا، وثلثي رعاياه فقراء، وبلاده في المرتبة 124 على سلم التنمية البشرية.. هذا هو الخوف الحقيقي.

شارك المقال