قال المؤرخ المغربي، المعطي منجب، ان المستشار الملكي، فؤاد عالي الهمة، يمثل في مخيال الجمهور المغربي، قفاز السلطة، في مقابل يمثل رئيس الحكومة، أمين عام حزب « العدالة والتنمية »، عبد الإله بنكيران، ما قال عنه « الكبرياء الشعبي ».
وأَضاف، ان فؤاد عالي الهمة « يمثل القوة العملياتية الضاربة للنظام السياسي »، مشيرا إلى كون النظام السياسي القائم يمتح من نفس المعين الإيديولوجي لحزب العدالة والتنمية، وهو الإسلام السني المغربي المالكي، مؤكدا بذلك، ان أصل النزاع « من حيث العمق ليس أيديولوجيا ولكنه ذو طابع سياسي ».
وتحدث المؤرخ، على قضايا أخرى، في الحوار التالي :
تتسم علاقة كل من رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران والمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة بكثير من الإثارة بالنظر إلى ماضي صراعهما الطويل وموقعيهما السياسيين، ما تفسير ذلك؟
الإثارة أصلها أن الرأي العام يعتبر أن السيد فؤاد عالي الهمة يمثل في هذا الصراع المعسكر الملكي، وهذا الأخير يمثل أقوى اتجاه بالبلاد لأنه هو الذي يهيمن على السلطة المادية وعلى مساحة كبيرة من السلطة المعنوية، إذ له الوقع الأكبر في البنيات الذهنية والتمثلات الجمعية. وهو الاتجاه الذي يتوفر كذلك على أكبر قدرة لإلحاق الضرر بالخصوم والأعداء: (pouvoir de nuisance). ويضاف إلى هذا أن الناس غير متعودين على أن ُتنتقد سياسة الملك بالقوة التي يقوم بها أحيانا السيد عبد الإله بنكيران وباللغة التي يستعملها. فهو كثيرا ما يستعمل الدارجة وكما يعلم الجميع فإن اللسان الدارج يخيف السلطة لما يكون مضمونه انتقاديا فهو يتوفر على قوة تفكيكية هائلة لقداسة السلطة أي كما يقال بالفرنسية (impact corrosif).
هذا المفهوم الفرنسي أقوى وأدق مما أقوله هنا بالعربية فهو يحيل على نسق متكامل من العوامل والتعرية الدائمة النشاط أي التي لاتكل من العمل والحفر اللامرئي الطويل الأمد والذي يصيب هرم السلطة الرمزي بتآكل يضعف مشروعيتها. وسيكون من المفيد أن نذكر هنا بالعداء المنقطع النظير الذي عبرت عنه السلطة تجاه مجلة « نيشان » الناطقة بالعربية الدارجة رغم أنها كانت سياسيا قريبة جدا من الخط التحريري لـ »تيل كيل ». نفس الهلع عبرت عنه السلطة اتجاه « المساء » في بدايتها الأولى لنفس الأسباب. السبب الآخر الكامن وراء الإثارة التي أشار إليها سؤالك هو أن بنكيران يمثل أقوى اتجاه معارض داخل النسق السياسي الشرعي. هناك إثارة لأن هناك فرجة وحلبة صراع.
السيد فؤاد الهمة في نظر الرأي العام هو قفاز الملاكمة الذي تلبسه ذراع السلطة أما السيد بنكيران فيمثل- في نفس المخيال العام- الكبرياء الشعبي وشطارة المستضعف، ولكنه القادر على توجيه لكمات مؤِلمة يصفق لها الجمهور.
عندما غادر الهمة وزارة الداخلية عام 2007 سارع إلى إعلان توليه مهمة مواجهة الإسلاميين، هل يتعلق الأمر باختلاف أيديولوجي بينهما، أم بصراع حول السلطة؟
كما قلت قبل قليل فؤاد الهمة يمثل القوة العملياتية الضاربة للنظام السياسي. وكما يعلم الجميع -عامة وخاصة- فإن النظام السياسي القائم يمتح من نفس المعين الإيديولوجي لحزب العدالة والتنمية، وهو الإسلام السني المغربي المالكي. إذن أصل النزاع ليس من حيث العمق أيديولوجيا ولكنه ذو طابع سياسي.
لا يمكن هنا أن نتبع من يقول « نعم للنظام..ولحزب العدالة نفس المرجعية، ولكن إسلام الحزب ينحو نحو الماضي والمحافظة بينما إسلام النظام ينفتح على المستقبل ». أقول لا. فكلا المنظومتين أي الحزب والسلطة لهو « تقدميوه » و »رجعيوه ». وهنا أشير مثلا إلى أن الخطاب الديني لسعد الدين العثماني أكثر تنويرا وتقدمية من خطاب أحمد التوفيق وزير الأوقاف الذي ينظر للاستبداد.
ولأكون أكثر وضوحا، الوزير المنتدب في الداخلية لم يستقل من منصبه الرسمي سنة 2007 لأن العدالة والتنمية حزب إسلامي، ولكن لأنه حزب قوي ومستقل عن السلطة ومعتدل، وبالتالي فهو، في نظر السلطة، يشكل خطرا سياسيا داهما وجبت مقاومته واحتواؤه باستعمال هيبة الملك وجهوزية الإدارة الترابية (اللوجستيك) وأعني هنا خلق حزب الأصالة والمعاصرة. ويجب، في نظر السلطة، مواجهة العدالة والتنمية لأنه كذلك حزب معتدل، فالاعتدال يشكل هنا مشكلة حقيقية بالنسبة إلى السلطة لأنه من الصعب اعتماد المواجهة الأمنية ضد المعتدلين، ولا يمكن وضعهم في السجن لأن ذلك له تكلفة سياسية لا قبل للنظام بها.
هناك من يعتبر العلاقة المثيرة بين المقربين من السلاطين وباقي المسؤولين ذات جذور تاريخية قديمة في المغرب، ما صحة ذلك؟
يجب أن ننتبه، بل وأن نحذر بالغ الحذر من قراءة الحاضر بعيون الماضي أو العكس، فهذا « لامنطق » تاريخي (Anachronisme)، لأن الوضعيات الاجتماعية والسياسية والقيمية مختلفة جدا. فالسلطان العلوي إسماعيل مثلا ما كان بحاجة لمواجهة منافس له أو لنقل « بنكيرانه » عبر وسيط كالهمة بل « بقطع يده ورجله بخلاف »،أي اليد اليمنى والرجل اليسرى، حتى لا يحمل سيفا أو يمتطي فرسا للقتال كما فعل مع ابنه وغريمه محمد العالم…
في الماضي – أي قبل أنوار الحداثة- كانت الأمور أبسط وأفظع ليس بالنسبة إلى المغرب فقط، ولكن في كل بقاع المعمور. فلويس الرابع عشر لم يكن أكثر رأفة بمعارضيه من إسماعيل العلوي. طبعا كانت هناك استثناءات كالأموي عمر بن عبد العزيز والإغريقي بيريكليس والعلوي مولاي سليمان.
هل تصح المقارنة بين علاقة بنكيران والهمة حاليا، وبين شخصيات مماثلة في عهد الحسن الثاني، مثل أحمد رضا اكديرة وعبد الله ابراهيم أو المهدي بنبركة؟
طبعا بخلاف السؤال السابق المقارنة هنا وجيهة. فالحقبتان التاريخيتان غير متباعدتين والنسق السياسي هو نفسه تقريبا. ولكن عالي الهمة كأسلوب وفكر هو أقرب إلى إدريس البصري منه إلى أحمد رضى أكديرة. فيجب أن لا ننسى هنا أن أكديرة عارض معارضة قوية قرار الحسن الثاني إعلان حالة الاستثناء في يونيو 1965، كما عارض اعتقال عبد الرحمان اليوسفي في يوليوز 1963 كما عبر عند عدم رضاه عن اعتلاء محمد أوفقير لعرش الداخلية في غشت سنة 1964. أما الهمة ليست لديه نفس درجة الاستقلالية النسبية عن رئيس الدولة التي كانت لأكديرة، كما أنه لم يعارض توجه النظام نحو الانغلاق ابتداء من سنة 2003 بل لعله أحد المبادرين إلى التحفيز عليه.