حكايات من زمن فات l الإمام مالك.. لا يُفتى وهو في المدينة

16/06/2016 - 17:00
حكايات من زمن فات l الإمام مالك.. لا يُفتى وهو في المدينة

حلقة اليوم من برنامج « حكايات من زمن فات »، عن أحد الأئمة العظماء، الذين ملؤا الدنيا بعملهم الغزير، واجتهادهم، أنه الهمام مالك بن أنس بن مالك.

ولد الإمام مالك بالمدينة المنورة سنةَ 93هـ/ 703م، لبيت مُشتغل بعلم الحديث واستطلاع الآثار وأخبار الصحابة وفتاويهم، فجده مالك بن أبي عامر كان من كبار التابعين وعلمائهم.

وقد روى عن مجموعة من الصحابة، أما أبوه أنس فلم يكن اشتغاله بالحديث كثيراً، إلا أن أعمامه اشتهروا به وكانت عائلة مشهورة بالعلم، كما كان أخوه النضر بن أنس ملازماً للعلماء يتلقى عليهم ويأخذ عنهم، وبدأ مالك في تحصيل العلم وهو لا يزال طفلاً صغيراً، حيث طلب من أمه أن يذهب إلى مجالس العلماء، فألبسته ثياباً جديدا وعطرته، وقالت له اذهب الآن وتلقى العلم، فحفظ القرآن كاملاً ثم اتجه إلى علم الحديث والذي نهل منه الكثير، حتى روي أنه تأهل للفتيا، وجلس للإفادة وهو ابن إحدى وعشرين سنة، فتتلمذ على يد نافع بن أبي نعيم القارئ، وسعيد المقبري، والزهري، وابن المنكدر، ووهب بن كيسان، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وخلق كثير سواهم.

وعُرف عن الإمام مالك توقيره الشديد للحديث النبوي وإجلاله له، فروى أحد تلاميذه ويُدعى « مطرفٌ »، أنه لما انتقل ليتلقى العلم على يده، كان إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية فسالتهم: «يقول لكم الشيخ: أتريدون الحديث أم المسائل؟»، فإن قالوا المسائل خرج إليهم فأفتاهم، وإن قالوا الحديث قالت لهم: «اجلسوا»، ودخل مغتسله، فاغتسل وتطيب ولبس ثياباً جدداً، ولبس ساجة وتعمم، وتُلقى له المنصة، فيخرج إليهم قد لبس وتطيب، وعليه الخشوع، ويوضع عودٌ فلا يزال يتبخر حتى يفرغ من حديث الرسول ﷺ.

وعُرف عنه رضي الله عنه، حفظ هيبته لعلمه ومعرفة قدره، فقال أحد العلماء الذين عاصروه « سمعت مالكاً سُئِل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري »

وروي أنه لما دخل الخليفة الرشيد المدينة المنورة، وكان حاكم أقوى وأكبر دولة في العالم آنذاك بعد أن توسعت الفتوحات في عهده، أرسل إلى الإمام مالك يدعوه لزيارته، فلم يتحرك الإمام من مكانه، فكرر الخليفة الطلب، فرد الإمام بثقة العالم الجليل موجها حديثه للخليفة: «لا تكن أول من يضع عز العلم فيضع الله عزك»، فصدمت الكلمات القوية الواضحة الخليفة فرد على مالك «بل تأتينا حتى نتعلم ونسمع منك»، فأعاد مالك الرسالة قائلا: «أصلحك الله أن العلم يؤتى ولا يأتي لأحد»، فلم يجد الخليفة مفراً من الذهاب إلى مقر هذا الفقيه العنيد، ليسمع ويتعلم مثله مثل طلاب العلم من الإمام.

ويروى أن محنة نزلت بالإمام في العصر العباسي في عهد أبي جعفر المنصور، وقد ضُرب في هذه المحنة بالسياط، ومُدت يده حتى انخلعت كتفاه، وسببها أنه كان يروي حديث الرسول ﷺ «ليس على مستكره طلاق»، فاتخذ بعض الناس من هذا الحديث حجةً لبطلان بيعة أبي جعفر المنصور، فنُهى والي المدينة جعفر بن سليمان عن أن يحدث بهذا الحديث، وذات يوم سأله أحد الناس عن الحديث فحدث به أمام الناس جميعاً، فسُجن وضُرب، فلما جاء أبو جعفر المنصور إلى الحجاز حاجاً أرسل إلى مالك يعتذر إليه، وقال له «والله الذي لا إله إلا هو ما أمرتُ بالذي كان ولا علمتُه، إنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنتَ بين أظهرهم، وإني أخالك أماناً لهم من عذاب، ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة، فإنهم أسرع الناس إلى الفتن، وقد أمرت بعد والله أن يؤتى به من المدينة إلى العراق على قتب، وأمرت بضيق محبسه والاستبلاغ في امتهانه، ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما لك منه»، فقال مالك «عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه، قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله ﷺ وقرابته منك»، فقال: «فعفا الله عنك ووصلك»

وروى عن الإمام أحد تلاميذه والذي قربه إليه، وكان يُدعى يحيى بن يجيى الليثي، وكان لذلك قصة وهي:

أن الإمام مالك كان يقرأ في المسجد ذات يوم أحاديث ﷺ، والطلاب حوله يستمعون لما يقول، فصاح رجل خارج المسجد قائلاً جاء للمدينة فيل عظيم، ولم يكن أهل المدينة قد رأوا فيلا قبل ذلك؛ لأن الفيل ليس موطنه هناك، فخرج الطلبة مُسرعين ليروا الفيل وتركوا الإمام مالك في المسجد إلا يحيى بن يجيى الليثي فقط، فقال له مالك: لم جلست؟ هل رأيت الفيل قبل ذلك؟ فرد عليه يحي قائلاً إنما رحلت لأرى مالكا لا لأرى الفيل، وبهذا أصبحت الرواية المُعتمد لموطأ الإمام مالك هي رواية يحيى بن يحيى الليثي، مع أنه من صغار طلبته.

ومن أقوال الإمام المأثورة:

« كل الناس يؤخذ منها ويُرد إلا صاحب هذا القبر »، أي النبي.

« ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب ».

« العلم نَفورٌ لا يأنس إلا بقلب تقي خاشع ».

« من أحب أن تُفتح له فُرجةٌ في قلبه فليكن عمله في السر أفضل منه في العلانية ».

« الزهد في الدنيا طِيب المكسب وقِصَر الأمل ».

« نقاء الثوب وحسن الهمة وإظهار المروءة جزء من بضع وأربعين جزءاً من النبوة »

 

وقال الإمام الشافعي عن كتابه الموطأ: ما ظهر على الأرض كتابٌ قط بعد كلام الله أفضل من موطأ الإمام مالك.

 

وتُوُفِّي الإمام مالك رحمه الله بالمدينة سنةَ 179هـ/ 795م، عن 85 سنة، ودُفِن بالبقيع، فرحم الله الإمام ورضى عنه.

 

شارك المقال