ما العمل؟

16/06/2016 - 22:00
ما العمل؟

سعدت بدعوة الصديق والأديب محمد الأشعري قبل أسبوعين إلى لحظة تفكير هادئ في سؤال السياسة اليوم بالمغرب، إلى جانب الأصدقاء علي بوعبيد وحسن طارق وعبد الله الترابي. وجوه لا تجمعها مصلحة ولا حزب ولا حتى إيديولوجيا، بل يربطها الوطن بحبل الدفاع عن الديمقراطية والتقدم والتحديث، كل من وجهة نظره، ومن موقعه، ومن تجربته. كنت أتطلع إلى الوجوه في قاعة علال الفاسي بالرباط وهي تذكرني بالزمن الاتحادي الجميل الذي أسدل الستار عليه.. يقول المغاربة: «إذا ذهب الزين تبقى حروفه»، وهذه الحروف هي التي التقاها المواطنون في لقاء اليوسفي لتأبين الراحل الصحافي الكبير محمد باهي، وهي الحروف نفسها التي تحلقت حول محمد الأشعري في جمعيته الجديدة « المشروع الجديد » في أول نشاط علني لها.
وزير الثقافة السابق كان يضع الملح في الجرح وهو يدير نقاشا مفتوحا حول أفول السياسة في بلادنا، وحول أعطاب المؤسسة الحزبية، وضعف مؤسسات الدولة وعدم توازن السلط، ومحدودية التقييم والمراقبة، وإحجام المواطنين عن المشاركة والشباب عن الانخراط في العمل السياسي، وضحالة النقاش.. فما العمل؟
عن هذا السؤال المعقد والكبير أجبت في هذه الندوة بفقرة صغيرة أعيد نشرها هنا…
ما العمل؟ سؤال ليس لدي الجواب عنه، لكن لدي بعض عناصر الجواب يمكن أن تساعد، إلى جانب أسئلة أخرى، على تركيب جواب مرحلي جديد عن أزمة قديمة.
لا بد من الرهان على التحديث مرحليا في أفق اعتناق الحداثة مستقبلا. التحديث معناه إنجاز حزمة الإصلاحات الكمية التي تتحول إلى نوعية في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، دون الدخول في مفاوضات وتسويات ومساومات مع «التقليدانية»، التي تحاول دائما إفراغ الإصلاحات من عمقها وروحها. انظروا، مثلا، إلى الدستور الجديد الذي أصبح يؤول رئاسيا، في حين أن روحه كانت برلمانية. لا بد من التركيز على جوهر الإصلاحات التي تحرر الفرد من الخوف، والأسرة من الفقر، والمرأة من قهر النزعة الذكورية، والنظام من الاستبداد، والدولة من السلطوية، والإدارة من التحكم، والأحزاب من السخرة، والإنسان من الجهل. لا بد من إعادة النظر مرحليا في الصراعات الإيديولوجية والعرقية والقيمية التي تقسم نخبة المجتمع، واستبدالها بفرز واضح بين من مع الديمقراطية وخيارها الإصلاحي ومن مع الاستبداد وخياره السلطوي. إن تقسيم الطبقة السياسية إلى علماني وإسلامي، إلى متدين وأقل تدينا، إلى عربي وأمازيغي، تقسيم لا ينتج إلا التطاحن والانكسار والنزاعات القريبة من الحروب الأهلية. الانقسامات الهوياتية، في غياب دولة ديمقراطية وبناء مؤسسي صلب ومساحات توافق واسعة لإدارة الاختلافات، لا تنتج شيئا مفيدا لمسار الديمقراطية، بل بالعكس تنعش السلطوية كبديل وحيد لفرض الأمن والاستقرار بالقوة على الجميع.
لا بد من أن ينصب الرهان المغربي، الآن وهنا، على إعادة كتابة عقد اجتماعي جديد يُعول فيه على الشباب والثقافة والتعليم والإعلام الجديد والمقاولة.
الشباب، باعتباره قوة صاعدة متحررة إلى حد ما من قيود الماضي وثقافة الماضي وتسويات الماضي وعقليات الماضي.. لقد رأينا كيف أن تمرين 20 فبراير نجح في إظهار نتائج باهرة لقوة الشباب، ولفعالية الضغط في الشارع، والتحرر من التخندقات الإيديولوجية الجامدة، وهذا ما أزعج الحاكمين من الحراك المغربي، فالسلطة، أي سلطة، لا تصلح نفسها بنفسها، بل لا بد من وجود ضغط عليها، وحركة معاكسة لها لكي تتحرك عجلة الإصلاحات داخلها.
التعليم والثقافة، وهما الفريضتان الغائبتان في العمل السياسي وتفكير الأحزاب، وهموم جل النخب التي تتصارع حول المقاعد والمواقع والامتيازات، وتنسى القاعدة الخلفية لنهوض المجتمعات. لقد صار هناك اليوم شبه تواطؤ على ترك التعليم على حاله البئيس بين السياسي والأستاذ والمدير والإداري.. لأن لا أحد يريد أن يدفع فاتورة الإصلاح، ولأن فساد تعليمنا صار في صالح هؤلاء جميعا.
باستثناء الإسلاميين والدولة، فإن الجميع غائب عن زرع الثقافة في المجتمع، وطلب الهيمنة الإيديولوجية في قاع هذا المجتمع، على حد تعبير غرامشي، رغم أن العمل الثقافي يتجاوز الأهداف السياسية إلى مسيرة طويلة من البناء الفكري والرمزي والفني والأدبي، الذي يتجه إلى بناء المعنى وتشييد المفاهيم الإنسانية العميقة المتصالحة مع التاريخ ومع العصر في آن، العصر الذي نعيشه متطلعين إلى المساهمة في بناء حضارته العالمية لا كمستهلكين ومتفرجين.
الرهان على الإعلام الجديد المحمول على النيت في هواتف الجيوب وحواسيب المكاتب والمنازل والمدارس والجامعات ليس فقط لقدرة هذا الإعلام الجديد على تبليغ الرسائل، وربط الناس بالمعرفة، وجمع المواطنين خارج الروابط التقليدية، وخلق مجالات واسعة للتواصل والاتصال والتفاعل والتعبير والقبول والرفض والاحتجاج، وقول نعم ولا. الرهان على الإعلام الجديد وشبكاته وعوالمه هو رهان كذلك على زرع جينات المعاصرة في عقول ولدت مكبلة بألف قيد وقيد، هو رهان على تعزيز ثقافة الفرد الذي ينشئ، مثلا، صفحة على الفايسبوك ويضع عليها اسمه وصورته وتعليقه، وينشئ لنفسه هوية جديدة هو الذي يختارها، ويعبر عن وجوده بطريقته، ويحصل على مكبر صوت كبير يصل إلى الآلاف والملايين. وأكثر من هذا، يخرج هذا المواطن الرقمي من الافتراضي إلى الواقعي، ومن الواقعي يرجع إلى الافتراضي، وهذا الذهاب والإياب، وهذا الاحتكاك بآراء أخرى وثقافات أخرى ولغات أخرى هو الذي يحرض على الفعل والمشاركة، ويخرج الشباب من السلبية والاستسلام للواقع.
الرهان على المقاولة وثقافة المقاولة وفرص المقاولة، بما هي وعاء لنشاط الطبقات الوسطى، ولتنمية الثروة، والخروج من الفقر وثقافة الفقر والاستجداء وطلب العون. المقاولة، بما هي حقل استنبات لثقافة التنافسية والمخاطرة المحسوبة، والاحتكام لقانون السوق، ومقاومة تسلط الإدارة، ودعم المبادرة الخاصة، وعدم انتظار الحكومة أو الدولة لتنعم على الشاب بوظيفة في القطاع العام، لا تنتج قيمة مضافة في غالب الأحيان. المقاولة لا تنتج فقط الثروة ومناصب الشغل، بل تحرر الإنسان من الارتهان إلى الدولة التي أصبحت تفرض سطوتها على الإنسان في كل مجالات الحياة.
يقول نابليون: «لا نحكم شعبا من الشعوب إلا إذا كنا دليله إلى المستقبل».

شارك المقال