أن تقرر المحكمة براءة شخص متلبس بإدخال المخدرات إلى السجن، وتدين آخر في نفس القضية، شيء قد لا يصدقه أحد، لكن وقائع القضية التي شهدتها مدينة صفرو، تقطع الشك باليقين في القضية، من خلال حالة سيدتين بلغتا من العمر عتيا.
ترددت المسنة، وهي بالكاد تحرك شفتيها لتدلي للقاضي بتفاصيل الأحداث التي جرتها إلى المحاكمة، بعد ضبطها متلبسة بإدخال المخدرات إلى سجن صفرو، وململت شفتيها، واستغرقت في كلامها البسيط.
كانت قاعة المحكمة الابتدائية نصف مملوءة بالحضور، بعضهم ينتظر رؤية معتقل، وبعظهم كأنه جالس على الجمر، في انتظار أن يسمع أخبارا سارة، في حين يبدو التوتر واضح على الآخرين الذين حلوا بالمحكمة مرغمين للإدلاء بشهادتهم في قضية معروضة على المحكمة.
تفاصيل القضية، لا تخلو من غرابة، فقد ضبط حراس السجن المدني بصفرو العجوز البالغة من العمر 63 سنة، وهي تقوم بزيارة ابنها، حيث أحضرت له موادا غدائية ضمنها قطع سكر، لكن عند تفتيش القطع التي أثارت ريبة الحراس، تم التأكد من أنها محشوة بمخدر الشيرا، ليتم القبض عليها، وهي مندهشة مما يقع.
نظرت للقاضي بعينين غائرتين، وكأنهما تسبحان في فراغ مبهم، عينين مغرورتين، تخالطهما حمرة، وهي تحملق بسذاجة نحو القاضي، شرحت له التفاصيل التي اعتادت على سردها ببساطتها المعهودة أمام المحققين، وحراس السجن، وحتى من أثاره الفضول ورغم في إشباع غريزته في ذلك.
وفي إطار التحقيق معها، تأكد للضابطة القضائية، أنها لم تكن تعلم شيئا، وأنها استلمت السكر من العجوز الثانية، وتوجهت إلى السجن لزيارة ابنها دون أن تعلم ما يحاك في القضية.
تأملت هيئة الحكم في العجوز التي ضبطت متلبسة في العملية، كل الوقائع تدل على براءتها، لكن القانون الجامد لا يعترف بالأخطاء، غير أن هناك مخارج أخرى قد يستند عليها القاضي لإرضاء ضميره أولا، ولتطبيق روح القانون الذي جاء لإنصاف الناس، وليس أن يكون حاجزا أمام براءتهم.
بعد المداولة، تنحنح القاضي، واعتدل في جلسته، وبوقار الحكماء، نطق بالحكم الغريب، كان حكم الضمير الحي، وحكم الإنسان داخل القاضي.. فقد قضى ببراءة العجوز، وإدانة المسنة الأخرى التي دست لها المخدرات في قطع السكر..