قليل من السياسيين والعسكريين والأمنيين والوزراء الذين يلبسون « الجلابة البيضاء » والطربوش الأحمر، ويذهبون كل عاشر رمضان إلى الضريح للترحم على الملك الراحل محمد الخامس.. القليلون من هؤلاء يعرفون تاريخ هذا الرجل، وسر تحوله من سلطان إلى ملك، ومن ملك إلى زعيم.
يحكى عن الجنرال «سبيلمن أن ملاحظا نابها علق على اختيار صبي خجول لتولي الملك سنة 1927، رغم أن دوره لم يحن آنذاك، قائلا: «إن ذلك الفتى سيتعامل في ظرف عشر سنوات مع عدد من المقيمين العامين، سيقضي كل واحد منهم بعض الوقت ويمضي، لكنه سيظل هو يستوعب الدروس، ويراكم الخبرة، ويكبر وينضج، وسيحار معه المقيم العام السادس والسابع»، وكذلك كان، لم يستطع الجنرال جوان إلا مواجهته بالتهديد، وجاء تلميذه غيوم ونفاه عن عرشه في جزيرة بعيدة، لأن السلطان الصغير كبر، وكبرت داخله فكرة الاستقلال، خاصة بعدما مرت فرنسا إلى السرعة القصوى لإدماج المغرب في الاتحاد الفرنسي، والمرور من الحماية إلى الاستيطان الذي يعطي الاستعمار الفرنسي حق التمثيل في المؤسسات السيادية. هنا انتصب الشاب واقفا وثائرا في وجه المقيم العام، وفي 20 غشت 1953، كان صبر المقيم العام قد نفد. الشاب الذي اختاروه ليكون طيعا بين أيديهم يقول لا، ويقول مع لا نعم لعريضة الوطنيين المطالبة بالاستقلال والتحرر الكامل من نير الاحتلال. أضحى محمد بن يوسف (ولد في العاشر من غشت 1909) ثائرا في قصره، وأعلن الإضراب عن ختم ظهائر فرنسا بطابعه الشريف، فجمع غيوم أغراض الملك ونفاه إلى الخارج بعيدا عن عرش أجداده، انتقاما من تمرد ساكن القصر، وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان.. الشعب كله خرج في طلب ملكه.
بعدما ضحى السلطان بعرشه من أجل الاستقلال، لم يضع المغاربة محمد الخامس في قلوبهم فقط، بل وضعوه في القمر، عنوانا على الوفاء لرجل أعزل اختار الخيار الصعب من أجل أمته. يحكي أستأذنا الصحافي الكبير محمد العربي المساري -رحمه الله- في كتابه: « محمد الخامس.. من سلطان إلى ملك »، عن اللحظات التي عاشها مباشرة بعد نفي السلطان.. يقول: «ذات مساء، عدت من المدرسة، ولقيتني المتعلمة عند باب البيت بقولها: ‘‘الجميع في السطح إنهم ينظرون إلى محمد الخامس في القمر’’. رميت حقيبة الكتب المدرسية لا أدري أين، وأسرعت إلى السطح، وحملقت حيث ينظر الجميع فرأيته، أقسم أنه تراءى لي بوضوح. بجلبابه الأبيض وبالقب المدبب وبابتسامته الوديعة… ذلك العام لم نذبح كبش العيد لأن الملك تم نفيه، والشعب كله أصبح حزينا يردد قسم السلطان ووصيته إلى شعبه (لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري…)».
طبعا، لم يكن محمد الخامس معجزة في السماء، ولا تشكّل القمر بصورته، لكن الفكرة الوطنية كانت قد غشيت العقول والقلوب حتى صورت للشعب المقهور أن القمر متضامن مع المغاربة، وأن تضحية السلطان بعرشه لا يمكن أن تمر مرور الكرام
حاصروا القصر بالدبابات، وكان محمد الخامس بمفرده مع عائلته الصغيرة، وخيرة الوطنيين وراء القضبان أو في المنافي، والشعب مذهول يصلي ويدعو الله أن يلطف بما جرت به المقادير، لكن عدالة القضية كانت أقوى من سلاح المدافع والطائرات. أخرج محمد الخامس من بيته، لكن المظاهرات تبعته إلى المنفى، وأبان الوطنيون عن معدن أصيل، فرفضوا، إلا القلة الخائنة، مبايعة بنعرفة، وركوب قطار باريس إلى الاندماج الكلي بين المملكة الشريفة والإمبراطورية العجوز، التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مجروحة، وتريد أن تعوض الكبرياء الإمبراطوري المكسور… لم تمض إلا سنتان كانتا مليئتين بالدم والعرق والإصرار والمقاومة، حتى رجع محمد الخامس في 1955 منهيا حكاية «تحطيم رأس الأفعى»، التي نظر لها المقيم العام غيوم. عاد السلطان إلى عرشه مرددا الدعاء الشهير: «الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن»، معلنا لشعبه البشرى الكبيرة: «انتهاء عهد الحجر والحماية وبروز فجر الاستقلال والحرية».
التاريخ ليس حكايات من الماضي لتأثيث مهرجانات الخطابة وحفلات الذكرى، التاريخ هو درس للحاضر والمستقبل، ودرس السلطان الذي تحول إلى ملك ثم زعيم متوج في القلوب، يقول لنا اليوم إن العرش ليس قطعة خشب مطلية بالذهب، والملك ليس حاكما بأمره.. العرش رمز لإرادة أمة اختارت نموذجا في الحكم مبنيا على حفظ استقلال البلاد وكرامة العباد، والقرب من الناس، كل الناس، وإرساء العدل والتضحية من أجل الشعب، حتى وإن كان ثمن التضحية هو العرش.. أغلى ما يتوارثه ملوك الأسر الحاكمة.
الذي يحمي الملوك والعروش هو حب الناس لهم، وإحساسهم بأن العرش والجالس عليه في خدمتهم، وفي خدمة تقدمهم ورقيهم بين الأمم التي تكتب تاريخ الحضارة اليوم، أما الذين يريدون أن يحتكروا الملك لأنفسهم ولامتيازاتهم ولأحزابهم ولمشاريعهم، فهؤلاء يضرون العرش ولا ينفعونه.. الذين يقيمون تعارضا بين سلطات الملك وحكم المؤسسات، ويبنون سورا صينيا بين التقليد والتحديث، ويخيفون البلاد من صناديق الاقتراع.. هؤلاء لم يقرؤوا جيدا تاريخ المغرب وتاريخ محمد الخامس.. رحم الله الجميع.
شريط الأخبار
نقابة العدول التابعة لحزب الاستقلال تُنوه بالمعارضة جراء إحالتها مشروع قانون المهنة على القضاء الدستوري
وعكة صحية تُدخل عادل بلحجام غرفة العمليات
أولمبيك الدشيرة يعلن فك الارتباط مع المدرب مراد الراجي بالتراضي
المركز الروسي للعلم والثقافة بالرباط يحتفل بالذكرى81 لانتصار الشعب السوفيتي
القناة الأولى تراهن على الدراما التراثية من خلال سلسلة « بنت_الجنان »
ندوة دولية بالدار البيضاء تضع الهجرة تحت مجهر البحث الأكاديمي
2500 درهم لحضور حفل وائل جسار بالدار البيضاء يثير الجدل
السينما المغربية تستقبل فيلم “التسخسيخة” لسعيد الناصري
عمر بن عيدة يقدّم كتابه حول الجهوية والتنمية الترابية
طنجة: انتشال جثة طفل عمره تسع سنوات لقي مصرعه غرقا في بركة « سد مغاير »