حلقتنا اليوم من برنامجنا الرمضاني حكايات من زمن فات، الذي يقدمه موقع اليوم 24، عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقيه الأمة وأول من جهر بالقرآن في التاريخ.
واشتهر رضي الله عنه بقصره الشديد ونحافة جسمه وخفة وزنه، وثقل قيمته وفضله فهو سادس من أسلم مع رسول الله ﷺ، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وأُحدًا والخندق وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وهو الذي أجهز على أبي جهل.
وذات يوم بينما كان يرعى الغنم، لرجل يُدعى عقبة بن أبي معيط، مر عليه رسول الله ﷺ، فقال له: « يا غلام هل من لبن؟ »، فقال ابن مسعود: « نعم ولكني أمين على هذه الغنم »، فقال النبي ﷺ: « فهل من شاة لم ينز عليها الفحل » أي بمعنى أنها لا تدر اللبن، فقال: « نعم »، فقال ﷺ: أتيني بواحدة، فأحضر له شاة لم تكن تدر اللبن، فما إن مسح النبي بيده المباركة على درعها حتى نزل اللبن، فشرب هو وأبو بكر، فأسلم ابن مسعود وشهد أنه ﷺ، وقال: « يا رسول الله ﷺ لو تعلمني »، فقال: « يرحمك الله إنك غلام معلم »،
وذات يوم، اجتمع أصحاب النبي ﷺ فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟، فقام عبد الله، وقال: أنا، فقالوا له: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه –أي ان أرادوا أن يقتلوه -، فقال: دعوني، فإن الله سيمنعني، ثم ذهب إلى الكعبة، وكان في وقت الضحى، فجلس ورفع صوته بالقرآن، وقرأ آيات من سورة الرحمن، فنظر إليه أهل مكة في تعجب ودهشة، فمن يجرؤ على أن يفعل ذلك في ناديهم؟ وأمام أعينهم؟! فقالوا في دهشة: ماذا يقول ابن أم عبد؟!
ثم أنصتوا جيدًا إلى قوله، وقالوا في غضب: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد ﷺ، ثم قاموا إليه، وضربوه ضربًا شديدًا، وهو يستمر في قراءته حتى أجهده الضرب، وبلغ منه الأذى مبلغًا عظيمًا، فكفَّ عن القراءة، فتركه أهل مكة وهم يعتقدون أنه مات، فقام إليه أصحابه، وقد أثَّر الضرب في وجهه وجسده، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك. فقال: ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدًا (أي أفعل ذلك مرة أخرى غداً)، قالوا: لا، لقد أسمعتهم ما يكرهون.
وعُرف عنه رضي الله عنه جمال صوته في تلاوة القرآن، فيروى أن النَّبِيُّ ﷺ قال له: يا بْنِ مَسْعُودٍ اقْرَأْ عَلَيَّ، فقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ!، فقَالَ ﷺ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأَ رضي الله عنه عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى قَوْلِهِ « فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا » فبكى ﷺ وبكى معه بن مسعود.
وروي عن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنه قال: اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -فَبَدَأَ بِهِ-وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ».
وذات مرة أَمَره النَّبِيُّ ﷺ أن يصَعِدَ عَلَى شَجَرَةٍ ليَأْتِيَهُ مِنْهَا بِشَيْءٍ، فَنَظَرَ الصحابة إِلَى سَاقِه حِينَ صَعِدَ الشَّجَرَةَ، فَضَحِكُوا مِنْ شدة صغر وضعف سَاقَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: مَا تَضْحَكُونَ؟! لَرِجْلُ عَبْدِ اللَّهِ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ جبل أُحُدٍ ».
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلِي نَبِيٌّ إِلاَّ قَدْ أُعْطِيَ سَبْعَةَ رُفَقَاءَ نُجَبَاءَ وُزَرَاءَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: حَمْزَةُ، وَجَعْفَرٌ، وَعَلِيٌّ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَالْمِقْدَادُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَحُذَيْفَةُ، وَسَلْمَانُ، وَعَمَّارٌ، وَبِلاَلٌ ».
تُوُفِّي رضي الله عنه سنة 32هـ بالمدينة، ودفن بالبقيع، فرضي الله عن ابن مسعود.