حلقة اليوم من برنامج « حكايات من زمن فات » الذي يقدمه « اليوم 24″، عن الصحابي الجليل أحد العشرة المُبشرين بالجنة وأول من رمى سهماً في الإسلام، سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
ولد رضي الله عنه في مكة سنة 23 قبل الهجرة، واشتغل منذ صغره في بري السهام وصناعة الحرب، وانشغل في حياة الصيد والغزو، وكان يمضي وقته وهو يخالط شباب قريش وساداتهم، ويتعرف على الدنيا عن طريق الحجيج الوافد إلى مكة المكرمة في أيام الحج ومواسمها، وأسلم وهو ابن سبع عشرة عام.
ولما علمت أمه بخبر إسلامه ثارت وغضبت غضبا شديداً، ولما كان ابناً باراً بها ومحباً لها حُباً جماً، ذهبت إليه وقالت: يا سعد، ما هذا الدين الذي اعتنقته فصرفك عن دين أمك وأبيك؟، والله لتدعن دينك الجديد أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فيتفطر فؤادك حزناً عليّ ويأكلك الندم على فعلتك التي فعلت وتعيرك الناس أبد الدهر، فقال سعد: لا تفعلي يا أماه فأنا لا أدع ديني لأي شيء، إلا أن أمه أصرت على ذلك فلم تأكل لعدة أيام حتى هزل جسمها وخارت قواها، فلما رآها سعد قال لها: يا أُماه إني على شديد حبي لك لأشد حباً لله ولرسوله ﷺ ، ووالله لو كان لك ألف نفس فخرجت منك نفساً بعد نفس ما تركت ديني هذا بشيء، فلما رأت ذلك منه تراجعت وأكلت وشربت على كره منها، فنزل قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
وكان لسعد رضي الله عنه مكانة كبيرة عند رسول الله ﷺ، فذات يوم يراه ﷺ فيقول لأصحابه: هَذَا خَالِي، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ »، وفي موضع أخر، بينما كان ﷺ في أحد الغزوات داخل خيمته مع السيدة عائشة، فقال لها: لَيْتَ رَجُلاً صَالِحاً مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ، فسمعوا صَوْتَ السِّلاَحِ، فَقَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ: مَنْ هَذَا؟، قَالَ سَعْدُ: أَنَا يَا رَسُوْلَ اللهِ، جِئْتُ أَحْرُسُكَ، وفي يوم من الأيام، بينما كان الرسول ﷺ يجلس مع أصحابه، إذ رأوه ﷺ ينظر إلى الأفق في إصغاء من يتلقى همسا وسرا، ثم نظر في وجوه أصحابه وقال لهم: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فأخذ الصحاب يتلفتون ليروا هذا السعيد، فإذا سعد بن أبي وقاص آت، فذهب إليه عبد الله بن عمرو بن العاص كي يدله على ما يتقرب به إلى الله من عبادة وعمل، فقال له لا شيء أكثر مما نعمل جميعا ونعبد، غير أني لا أحمل لأحد من المسلمين ضغنا ولا سوء.
وكان رضي الله عنه أول من رمى سهماً في الإسلام والوحيد من بين الصحابة كلهم الذي افتداه الرسول ﷺ بأبويه، ففيوم أُحد كان ﷺ يقول: ارم سعد فداك أبي وأمي، فيقول عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه: ما سمعت رسول الله يفدي أحدا بأبويه الا سعدا، وكان رضي الله عنه من أشجع فرسان العرب والمسلمين، وكان مجاهداً في معركة بدر وفي معركة أحد.
وكان رضي الله عنه مجاب الدعاء منذ أن دعا الرسول ﷺ له: اللهم سدد رميته، وأجب دعوته، فيروى أنه رأى رجلا يسب طلحة وعليّ والزبير، فنهاه عن ذلك فلم ينته، فقال له: إن لم تنته عن سبهم سأدعو عليك، فقال الرجل: أراك تتهددني كأنك نبي، فانصرف سعد وتوضأ وصلى ركعتين ثم رفع يديه قائلا « اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما سبقت لهم منك الحسنى، وأنه قد أسخطك سبه إياهم، فاجعله آية وعبرة »، وبعد وقت قصير خرجت ناقة من إحدى البيوت تجري حتى دخلت في زحام من الناس، حتى وصلت عند الرجل فأخذت تضربه حتى مات، فأعتق سعد رقبة وأقسم ألا يدعو على أحد بعدها.
وتوفى رضي الله عنه في منطقة تُسمى العقيق على بُعد خمسة أميال من المدينة، عام 55هـ، بعد أن تجاوز الثمانين، وكان آخر من مات من المهاجرين، ولما حضرته الوفاة طلب أن يُكفن في جبة من صوف بالية، وقال: كفنوني بها فإني لقيت بها المشركين يوم بدر، وإني أريد أن ألقى بها الله عز وجل أيضا، وكان رأسه بحجر ابنه الباكي فقال له: ما يبكيك يا بني؟ إن الله لا يعذبني أبدا، وإني من أهل الجنة، إيمانا منه بصدق بشارة رسول الله ﷺ، فرحم الله سعدا ورضي عنه.