نبيل دريوش
كنا نشعر بالزهو عندما يقولون لنا إننا جيل التلفزيون، لأننا أول جيل فتح أعينه على جهاز التلفزيون في المنزل حتى وإن كان بالأبيض و الأسود، لكن جيلنا اليوم صار قديما كأنه ينتمي إلى العصر الطباشيري وصرنا نشعر ونحن في ريعان الشباب أن قطار الزمن يسير بسرعة جنونية، فعقد ونصف لا يعدو كونه عمر مراهق، وهو تقريبا لاشيء في مسار البشرية لكنها كانت مدة كافية لتغير الأنترنيت ومعها وسائل التواصل حياتنا، ويشعر الإعلاميون بالقشعريرة تنهش أجسادهم لأن عليهم أن يتحولوا إلى عدائين عالميين حتى يضمنوا بقائهم في مضمار السباق من أجل الخبر، فوسائل الإعلام ليست بصدد تغيير جلدها، بل لقد غيرته فعلا، ومعه تبدلت أنماط عمل الصحافيين خصوصا في وسائل الإعلام التي توصف بالتقليدية، فقراءة الصحف تراجعت بشكل مهول وسقط الجميع في حبال العنكبوت.
يبدو لي أن التحول الذي طرأ على قراءة الصحف يشبه التحولات التي طرأت على تناول الطعام بظهور الوجبات السريعة، ولم يعد لا للقراءة ولا لتناول الطعام أية طقوس، فكل شيء يطهى بسرعة ويتناول على عجل، لقد بات الناس يميلون كل يوم إلى ترك الورق وترسيخ عادة قراءة الأخبار السريعة على الهواتف النقالة و « الطالبيت »، وحدهن ربات البيوت سيحزنهن تناقص ركام الصحف الورقية من المنازل، لأنهن لن يجدن ما يمسحن به زجاج البيت.
كل شيء يخرج اليوم من فرن الأخبار طازجا ليقرأه الناس في لحظته، ولم يعد للمقالات الوقت حتى تمر تحت مجهر المدقق اللغوي وتنقل بأخطائها النحوية و الإملائية إلى القارئ ، وصارت الجرافات تدوس في طريقها حروف العلة وحروف الجر أضحت مجرجرة من رقبتها وكأنها تقاد إلى المقصلة.
هذا الواقع المتحول هو ما عكسته هذه الأيام دراسة صادرة عن إحدى أعرق المؤسسات الإعلامية العالمية، وهي مؤسسة « رويترز »، والتي كشفت أن مواقع التواصل الاجتماعي- وخصوصا » الفايس بوك »- باتت المصدر الأول للأخبار بالنسبة للشباب، وهو ما يسبب أضرارا مادية فادحة للمقاولات الصحافية الكبرى بعدما صار هناك تخمة في سوق الأخبار وأصبح انتاج الخبر أكثر كلفة من ثمن بيعه في ظل وجود المنافسة، وشملت هذه الدراسة 26 بلدا خلصت إلى أن 50 بالمائة من مستخدمي الأنترنيت يحصلون على الأخبار من مواقع التواصل الاجتماعي قبل كل شيء في وقت قال عدد متزايد من المستخدمين إنها مصدرهم الرئيسي للأخبار.
الإعلامي الذي مارس المهنة قبل عشرين عاما يشعر اليوم بغربة قاسية لأنه يدرك اللحظة أنه كان يعيش في عالم يشبه جزرا متناثرة وحده كان يملك « برستيج » التوفر على ما يحصل في كل جزيرة وينقلها إلى أناس يتلمسون محيطه عبر المذياع والصحيفة وتلفزيون يبث ساعات في اليوم، زمن كان يقول فيه الناس إن الصحافيين يعلمون ما لا نعلم، لكن العالم تحول إلى غرفة يعيش بها ملايير البشر، الجميع ازدحموا اليوم في غرف « الفايس بوك » و »تويتر » ويسارعون إلى نشر الأخبار العامة والخاصة عن طيب خاطر، وتجد الواحد منهم يخبر « الفايس بوك » بمشاريعه ومشاعره قبل أن يخبر زوجته وأصدقائه،وهناك شعوب من المثابرين على فتح صفحة « الفايس بوك » بمجرد دخولهم إلى العمل، فالبعض أكثر أداءا في مقاولة « مارك زوكربيرغ » منه داخل المقاولة التي تؤدي له راتبه آخر كل شهر.
حتى وسائل الإعلام تفطنت إلى هذه التحولات وبدأت الصحف تنشأ مواقع لها على الأنترنيت لتوزيع أخبارها بكلفة اقل ومع الوقت تتحول هذه المواقع إلى مقاولة بديلة بعدما يفطن رب العمل إلى أن انعاش « الورقي » أشبه بنفخ الروح في جسد يحتضر، بل حتى القنوات التلفزيونية والإذاعات لا تشذ عن هذه القاعدة، فإذاعات تقوم بتصوير استجواباتها وهي تدرك أنها ستحظى بنسبة استماع/مشاهدة ربما أكبر من وسائل تصريفها التقليدية وقنوات تلفزيونية تضع برامجها ساخنة على موقع « اليوتوب » لتحظى بمشاهدة أكبر..
سيعرف الإعلام تحولات عنيفة خلال السنوات القليلة الماضية ولن تنفع الإعلاميين كل تلك الدروس التي تعلموها داخل فصول الدراسة وغرف الأخبار قبل أن يغلف العنكبوت العالم بشبكته، وحدهم أبرع طهاة الخبر وأذكاهم سيصمدون في وجه الإعصار.