قد تختلف تأويلات « الحكرة »، ودرجات الإحساس بها، كما تختلف ردود فعل الذين يحسون بها، بين كضم الغيظ، وبين تصرفات قد لا يعرف مداها، لدرجة قد تصل بالشخص إلى محاولة التعري أمام المحكمة، وهو ما حصل بمحكمة تازة بالضبط..
كانت محكمة الاستئناف بمدينة تازة في قمة نشاطها، وهي تتداول عشرات الملفات الوافدة عليها من الدوائر الأمنية، أو المحاكم الابتدائية، وبين تلك الملفات، ارتكنت قضية جندي متقاعد، حل باكرا إلى المحكمة للنظر في مصير قضية طلاقه من زوجته.
كان الرجل يمني النفس أن تعمل المحكمة على تخفيظ الحكم الابتدائي الذي قضى بأدائه مبلغ 1200 درهم لطليقته شهريا، وهو ما يبدو مستحيلا في ظل الأجرة الشهرية التي يتقاضاها، والتي لا تتجاوز 1500 درهم، بعد أن حصل على التقاعد النسبي، قبل إنهاء الخدمة العسكرية بطريقة طبيعية.
جلس الجندي السابق يتأمل الأقدام المختلفة وهي تجتاز ردهات المحاكم بعضها برشاقة وخفة، وبعضها بتثاقل كبير وكأنها تحمل هموم الجبال فوق ظهورها، رفع رأسه متنبها تحسبا لانطلاق جلسة المحكمة للبت في ملفه أمام طليقته التي قضت المحكمة الابتدائية بالحكم لصالحها.. حان الوقت المناسب، للدخول إلى قاعة الجلسات..
المحكمة الابتدائية كانت قد قضت بأدائه مبلغ 1400 درهم، وهو ما اعتبره الجندي “ظلما” في حقه، خصوصا أن أجرته الشهرية لا تتجاوز 1500 درهم، والأمل كبير في محكمة الاستئناف لإنصافه.. وهو الأمل الذي جعله يحل مبكرا بالمحكمة ملفوفا بتوجس كبير، وحيطة شديدة.. كيف لا وهو الذي أمضى في صفوف الجندية سنينا، وخبر التعامل مع الطوارئ، ومع المفاجآت، لكن المفاجأة التي تنتظره لم يكن قد وضع لها خطة أو استراتيجية لمجابهتها.
انطلقت المحاكمة، ليعلن القاضي عن القرار الذي رأته هيئة الحكم مناسبا لحالة الطلاق الماثلة أمامهم.. على الجندي السابق أن يدفع مبلغ 1400 درهم، وهو قرار يقضي برفع المبلغ الذي أصدرته المحكمة الابتدائية بنحو 200 درهم..
نزل القرار كالصاعقة، ارتفعت الدماء إلى وجه الجندي المتقاعد، وبدا عليه الحنق واضحا، وكأنه يكاد ينفجر غيظا.. وبسرعة، وعلى غير المتوقع، أنزل سرواله أمام هيئة الحكم، وصار يصرخ وهو عار في نصفه السفلي، وكأنه يوضح للمحكمة بأن حكمها الصادر في حقه سيعريه من كل أشيائه، على اعتبار أنه سيصير بدون نقود إن هو نفذ حكم المحكمة.. ومباشرة بعد ذلك تدخل رجال الأمن وألقوا القبض عليه من داخل القاعة تطبيقا لتعليمات القاضي.
وبعدها بثلاثة أيام أمر الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف في مدينة تازة، بإخلاء سبيله رغم إنزال سرواله أمام هيأة الحكم في قاعة الجلسات بمحكمة الاستئناف في تازة، مراعاة لظروفه، بعدما لم يتمالك نفسه، وانفجر غاضبا بعد صدور حكم ضده، لصالح طليقته، ليقرر الوكيل العام عدم متابعته بتهم تتعلق بإهانة هيأة قضائية.